الشعر ، وأهل الكوفة يرون أنها تجزم في الكلام ، وقد اتفقنا في استدعائها الجواب ، فوقع جوابها في الآية الأولى منطوقاً به وهو قوله : ( فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ) ، فلا مدخل . وأما الآية الثانية فجوابها محذوف مقدر ، وقوله : ( وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ) كلام معطوف على ما قبله كما عطف عليه ما بعده ، ولو كان جواباً لكان مقتضاه أنها لا تفتح إلا عند مجيئهم ، كالحال في أهل النار ، وليس كذلك ، والله أعلم . ألا ترى قوله تعالى في سورة ص : ( هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ ) ( ص : 49 - 50 ) فانتصاب ( مفتحة ) إنما هو على الحال ، والحال قيد فيما قبلها .
فإذا قلت : جاء زيد ضاحكاً فالمعنى : جاء زيد متصفاً وقت مجيئه بالضحك ، فالضحك خيئة حين المجيء وليس المراد أن ضحكه بعد المجيء ، وإنما المعنى أن تلك صفته التي جاء عليها بل تقدمت مجيئه ولهذا قال سيبويه رحمه الله قول بعض العرب مررت برجل معه صقر ( صائداً به غداً ، فقدره : مررت برجل معه صقر ) مقدراً الصيد به غداً ، فقدره بما هو حاصل ثابت وقت المرور ، ولهذا قالوا في قول العرب : قمت وأَوُكّ عينه أنه من الشاذ النادر ونحوه ما أنشدوه من قول الشاعر :
فلما خشيت أظافيرهم نجوت وأرهنهم مالكا
فهذا في غاية القلة ، ويححسن ورود الماضي حالاً إذا كانت معه قد لاقتضائها القرب ، حتى يزول احتمال أن يكون منقطعاً فيضاد مقود الحال ، فإن قويت الدلالة عليه من المعنى جاز وروده في فصيح الكلام ، وعليه جاء قوله في قراءة الأكثر ( أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ . . . . ) ( النساء : 90 ) لدلالة المعنى ، وقرأ يعقوب ( حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ) فبينت قراءته ما قرأ به الجماعة ، فقد تبين أن قوله تعالى : ( فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ) معطوف على قوله : ( جَاءُوهَا ) وليس جواباً ، ومما يبين ما ذكرناه في معنى الآية ويشهد له إخباره صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه أول من يفتح وأول من يقرع باب الجنة ، فقد أوضح هذا أن الداخلين تالون له وبعده فيجدونها مفتوحة الأبواب ، وإذا لم يتوقف فتح أبوابها على مجيئهم فليس قوله : ( وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ) جواباً لو فرضنا أن لا يعتد بالواو كما يقول أهل الكوفة .
فإن قيل : فما جواب إذا ؟ قلت : الجواب - والله أعلم - مقدر بعد ، يفسره المعنى ، كأن قد قيل : حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين أنسوا وأمنوا أو ما يرجع إلى هذا المعنى ويحرزه ، وإذ ذلك
ملاك التأويل — صفحة 429
مساهمون: أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي
ص٤٢٩