تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
أي إنهم إن تمادوا على شقاقهم فلا فرق بينهم وبين ما تقدمهم من هؤلاء القرون ( وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ) ( الرعد : 6 ) ، ( فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ) ( يونس : 102 ) ، ثم أتبع سبحانه بذكر شنيع مرتكبهم في استعجالهم العذاب وقولهم : ( عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ) ( ص : 16 ) ، فأنبأ تعالى باستحكام كفرهم وتكذبيهم واستهزائهم الموجب لتعجيل أخذهم ، ثم أنصرف الكلام إلى أمره سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على معاندتهم وردي مقالتهم ، وتذكر أخيه داود والاعتبار بأمره ، وتسخيره سبحانه له الجبال ، وحشره له الطير منقادة إلى أمره ، وإلانته له الحديد ، وقلوب الآدميين أهين وأقرب ، فلو شاء لهدى هؤلاء كما سخر الجبال لداود ( وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ) ( السجدة : 13 ) وهذا وجه ذكر داود ، عليه السلام ، هنا ، لا ما قاله الزمخشري ، وقد تقدم ( الإيماء ) إليه عند قوله تعالى في سورة طه : ( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ) ( طه : 130 ) ويستوفي عقب هذا بحول الله ، فهذا وجه اختصاص آية ص بما ورد فيها من الترتيب في ذكر القرون المهلكة بتكذيبها . وأما آية ق فوجه الوارد فيها من اتباع ذكر قوم نوح بذكر أصحاب الرس ومخالفة الوارد في سورة ص ، إن آية ق قد انفردت عن آية ص بما قصد فيها مفصحاً به ، من ذكر تعامي كفار قريش والعرب عن النظر في خلق السماوات والأرض ، والاعتبار بمن تقدمهم من الأمم ، وأخذهم بتكذيبهم ، ففي آية ص ذكر تجبرهم وشقاقهم وطغيانهم ، وفي ق ذكر تعاميهم عم الاعتبار والنظر ، فبدأ سبحانه بتذكيرهم بذكر حال السماء وإتقانهم فقال : ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا ) ( ق : 6 ) إلى قوله : ( كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ) ( ق : 11 ) ، والمراد أنهم لو وقفوا فأمعنوا النظر في بناء السماء ، وتزيينها بما جعل تعالى فيها من نجومها ، وسلامتها من فطور أو فروج ، وفي امتداد الأرض وإرسائها بالجبال ، وإنبات ما فيها من كل زوج بهيج ، وإنزال الماء من السماء ، وإنبات الجنات وحب الحصيد والنخل الباسقات ذات الطلع النضيد ، وإحياء البلاد الميتة ، وتكرر ذلك عليها ، فلو اعتبروا بهذا لاستوضحوا العودة والبعثة ، الأخراوية ( كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ) ( ق : 11 ) ، ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ) ( الأنبياء : 104 ) ، فلما ذكرهم سبحانه بخلق السماوات والأرض أعقب ذلك تتميماً جارياً على التذكير المتكرر في الكتاب بذكر القرون السالفة المهلكة بتكذيبها فقال : ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ) ( ق : 12 ) ، ولما ( بني ) ( ما ) تقدم من الاعتبار على الإشارة إلى الاستيفاء ( في عجائب الأرض والسماء ، ناسب ذلك بناء ذكر من نبه عليه ممن هلك