تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤

سورة ص

الآية الأولى منها - قوله تعالى : ( وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ) ( ص : 4 ) وفي سورة ق : ( بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ) ( ق : 2 ) ، للسائل أن يسأل عن ورود قوله في ص : ( وَقَالَ الْكَافِرُونَ ) بواو النسق وفي سورة ق بفاء التعقيب والإخبار عن حالهم واحد ؟ والجواب - والله أعلم - أن آية ص وردت مورد الإخبار بمرتكبات من أفعال كفار العرب وأقوالهم فجيء بتلك الجمل منسوقاً بعضها على بعض ، فأخبر تعالى أنهم في عزة وشقاق ، وأنهم عجبوا أن جاءهم منذر منهم ولم يكن من الملائكة كما قالوا : ( لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا ) ( الفرقان : 21 ) ، وأنهم رموه بالسحر والكذب ، وتعجبوا من جعله الآلهة إلهاً واحداً ، وأنهم تمالؤوا على قولهم : ( أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ ) ، وأنهم قالوا : ( مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ ) ( ص : 7 ) أي في ملة عيسى ، عليه السلام ، ومن هذا قولهم في إخبار الله تعالى عنهم : ( أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ) ( الزخرف : 58 ) ، وتحريهم على الإفصاح بمرتكب النصارى في التثليث ، وأنهم أقرب الملل إليهم وآخر من تقدمهم وهم مثلثون ، فكيف تجعل أنت يا محمد الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب ، فجعلوا ما جاء به اختلافاً وتقويلاً ، إلى ما ارتكبوه من هذا ، فلما قصد هنا الإخبار بجملة مرتكباتهم جاءت منسوقاً بعضها على بعض بالواو التي لا تقضي ترتيباً ولا تعقيباً . وأما آية ق فمقصود بها التعريف بتعجبهم من البعث الأخراوي واتسبعادهم إياه ، ولم يقصد هناك غير ما قصده ، ألا ترى إقامة الدلالة عليهم باعتبار خلق السماوات ، وتزيينها بالنجوم ، وإحكام صنعها ، ومد الأرض ، وإرسائها بالجبال ، وإخراج أصناف النبات ، وإنزال الماء من السماء ، وإنبات الجنات وضروب الحبوب والنخل الباسقات ذات الطلع النضيد ، ثم قال : ( كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ) ( ق : 11 ) ، ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ) ( الأنبياء : 104 ) ، ( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) ( يس : 81 ) ، فلما كان قولهم : ( هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ) مبيناً على ما جاءهم به ، عليه السلام ، وأعلمهم من البعث بعد الموت جعل الأول - أعني مجيئه ، مخبراً بذلك - سبباً في
ملاك التأويل — صفحة 414 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي