تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
( الصافات : 102 ) ، وجواب أبنه ، عليهما السلام ، بقوله : ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ) ( الصافات : 102 ) وأتباعه ذلك تسلية لأبنه وامتثالاً لأمر ربه : ( ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) ( الصافات : 102 ) ، فلما دل جوابه على عظيم حاله ) وتلقيه عظيم هذا الابتلاء بالرضا والصبر التام إمتثلاً لأمر رببه ( وإرضاء لأبنه ، كان ذلك مبيناً لجليل حلمه ووفور كماله ) في حاله ما وصفه في سنه بالأولية والابتداء . أما آية سورة الذاريات فلم يقع فيها ذكر هذه القصة ، فورد فيها وصفه بالعلم المحرز بجليل نبوته ، ولو ورد في السورتين عكس الوصف الوارد لما ناسب هذه المناسبة الحاصلة ، والله أعلم . الآية الرابعة من سورة الصافات : ( وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) ( الصافات : 175 ) ثم قال : ( وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) ( الصافات : 179 ) ، يسأل عن الضمير المفعول وثبوته أولا في قوله : ( وأبصرهم ) وسقوطه ثانياً في قوله ( وأبصر ) ؟ وعن وجه التكرار ؟ والجواب عن ذلك : أن التكرار تأكيد وتشديد في الوعيد ، وتناسب ذلك بين مألوف في كلام العرب ، وأما سقوط الضمير في الثاني فيحرز عموماً لهم ولغيرهم في الوعيد لأن قوله : ( وأبصرهم ) المراد به أمره ، عليه السلام ، بأن يترقب ما ينزل ( بهم ) ويحل بساحتهم من الانتقام ، وإعلامه صلى الله عليه وسلم ، في بكفايته إياهم كما قال تعالى : ( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) ( الحجر : 95 ) فكان كذلك ، وقال تعالى : ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) ( القمر : 45 ) ، ففعل بهم ذلك يوم بدر ، فقدم ( الله ) سبحانه تأنيس نبيه ، عليه السلام ، بإخباره إياه في هذا الوعيد ( لهم ) بأخذهم وقطع دابرهم ، ثم أردف هذا الوعيد بوعيد ثان فيه عموم يشملهم ولا يرجع عن تناول غيرهم ممن سلك مسلكهم ، ويشعر بحاله هو ، عليه السلام ، وحال من أذعنواستجاب له فقال : ( وأبصر ) أي ترقب ما أفعل لك من تأييدك ونصرك وجزائك الأخراوي وجزاء من آمن بك بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وما أفعل بمن عاداك وعاندك ممن باشرك بتمرده وطغيانه أو بعد عنك ، من أخذهم وقطع دابرهم ووبيل جزائهم الأخراوي ، هذا مفهوم لا يرجع إطلاق قوله : ( وأبصر ) عن عطائه وتعميمه ، ذلك كله مما يعتضد من مواضع أخر ، وتأمل ما فعل سبحانه بكسرى حين مزق كتابه صلى الله عليه وسلم تمرداً وطغياناً وإن لم يباشره ، لما جاوز حد كفره إلى التمرد والطغيان مُزق هو وآله كل ممزق . أما قوله : ( وأبصرهم ) فخاض التناول للمباشرين لمكان القييد بإعمال الفعل في ضميرهم ، فهو وإن تناول أخذهم في الدنيا وتمكين نبيه والمسلمين منهم ، ثم عقابهم