تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
على ما بين الله لك من الشرع الذي جعله سبحانه سبيلك ودينك الذي تدعو إليه ، وطريق من تقدمك من الرسل الذين يبلغون رسالات الله ويخشوننه ولا يخشون أحداً إلا الله ، فالله أحق أن تخشاه أنت يا محمد ، ولا تصغ إلى أحد ، ولا تستحي منه ، فإنك على صراط مستقيم ، فقد وضح ما أخفاه في نفسه وهذا الذي أبداه تعالى ، ألا ترى أنه سبحانه قد وعد أنه يبدي ما أخفاه صلى الله عليه وسلم في نفسه ، فهل ترى في تلك القصة خلاف ما نطق به كتابه من قوله تعالى : ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ) ( الأحزاب : 37 ) ، وكانت زينب تفخر بهذا وتقول لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم : زوجكن أهلوكن زوجني الله من فوق سبع سماوات ، فهذا إخباره سبحانه وما أبداه مما أخفاه نبيه صلى الله عليه وسلم في نفسه وما سوى هذا فاختلاق . ونقول : وقد تسامح المفسرون هنا ، وتبع آخرهم أولهم في نقل ما كان الواجب تركه ، إذ هو خلاق القرآن لمن وفق لتدبره ولحظ شهادة بعضه لبعض ، فهذا مقصود هذه الآية ، ولمجموع ما ذكرنا أعقبت بقوله : ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ) ( الأحزاب : 38 ) . وقد اتبعت الآية بذكر من سن سبحانه حكم هذه الآية لهم ، وأنهم الرسل ، عليه السلام ، فقال : ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ) ( الأحزاب : 39 ) ، فتأمل هذا التعقيب ، وقد قيل له ، عليه السلام ، في قوله تعالى : ( سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا ) ( الإسراء : 77 ) ، وقيل له : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) ( الأنعام : 90 ) ، وعرفنا ربنا سبحانه أن نبينا كذلك فعل فقال : ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ( الشورى : 52 ) . وأما الآية الثانية فإنه سبحانه لما قال : ( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ) ( الأحزاب : 60 - 61 ) أتبع تعالى بالإخبار أن تلك سنته الجارية في الذين خلوا من قبل ، وهذا كقوله : ( سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ) ( غافر : 85 ) ، فأعلم أنها سنته الجارية فيهم : ( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) ( الأحزاب : 62 ) ، وقد تكرر هذا في مواضع من كتاب الله سبحانه ، ووضح هذا التناسب في كل من الإعقابين ، والله سبحانه أعلم بما أراد . * * * * *
ملاك التأويل — صفحة 407 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي