تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
( البقرة : 281 ) ، فهذا عام للمؤمن والكافر وإن كان أظهر في المؤمن ، فلا معنى تعنيف فيه ، فوضح التناسب في الآيتين . الآية الثالثة من سورة الكهف قوله تعالى : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ) ( الكهف : 57 ) ، وفي سورة سجدة لقمان : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ) ( السجدة : 22 ) ، للسائل أن يسأل عن ورود آية الكهف بفاء التعقيب وآية السجدة بثم المقتضية المهلة ؟ والجواب عن ذلك ، والله أعلم : أن سورة الكهف مكية ، والخطاب فيها من أولها إلى الآية المتكلم فيها لم يخرج إلى غير العرب ، أعني أنه لم يتعرض فيها إلى إخبار بحال غيرهم ، إلا ما عرفوه من قصة أهل الكهف وخبرهم ، وهو من سؤالات قريش بتنبيه يهود إياهم حسبما وقع في الحديث ، فقوله في الآية المذكورة : ( بِآيَاتِ رَبِّهِ ) ، والمراد بالآيات القرآن ودلائله الواضحة ، وإن كان اللفظ مقتضياً كل ما يسمى آية إلا أن آية القرآن أعمد ما قصد هنا ، ويشهد لذلك قوله عز وجل : ( إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ ) ( الكهف : 57 ) ، وما تقدم الآية من قوله : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) ( الكهف : 54 ) الآية من قوله : ( وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى ) ( الكهف : 55 ) ، والمراد به القرآن ، قال تعالى : ( هَذَا هُدًى ) ( الجاثية : 11 ) ، والحجة قائمة عليهم عقب سماعهم وتدبرهم ، فورد بالفاء المقتضية التعقيب على ما يجب . وأما آية السجدة ، وإن كانت السورة مكية أيضاً ، فإن الآية عامة في حق العرب وغيرهم ، والإخبار فيها إنما هو عن جميع من شاهد آية بينة وكذب ، ودليل هذا ما تقدمة مما هو على إطلاقه في العرب وغيرهم من قوله تعالى : ( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ) ( السجدة : 18 ) ، هذا عام في المكلفين ، ثم فصل حالهم فيما بعد ، ثم قال معلماً بحال الجميع على ما تورده العرب عند التعجب ، ليباعد بين الأحوال : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ) ( السجدة : 22 ) ، فالمراد بهذه الآيات كل ما قامت به الدلالة ووضح منه الشاهد ، كناقة صالح ، عليه السلام ، وانفلاق صخرة عنها ، وانقلاب العصا حية ، وغير ذلك من آيات موسى ، عليه السلام ، وبينات عيسى ، عليه السلام ، كإبراء الأكمة والأبرص ، وإحياء الموتى ، وانشقاق القمر لنبينا صلى الله عليه وسلم ، ونبع الماء من ( بين الأصابع ) ، وتكليم الجمادات ، ونطق الحيوان إليه ، وانقلاب الأعيان ، وتكثير الطعام القليل ، إلى آيات الكتاب العزيز المتلوة قرآناً ، إلى ما لا يحصى
ملاك التأويل — صفحة 320 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي