تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
وصف حال الكافر المنكر للبعث الوارد في كل واحدة منهما في قوله : ( وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ) ( الكهف : 36 ، فصلت : 50 ) ، إن آية الكهف منهما أقوى تعريفاً ببعد الكافر المضروب به المثل عن حال الإيمان . وأما آية السجدة فصالحة لاتصاف الكافر والمؤمن بحال المفتتحة بها من قوله : ( لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ) ( فصلت : 49 ) ، من حيث إن هذا الوصف وصف يعم المؤمن والكافر ، ولهذا قال ابن عطية بعد أن ذر أن المراد بها الوليد بن المغيرة أو عتبة بن ربيعة : فإن أكثرها يعطي أن الآية نزلت في كفار ، ثم قال : وإن تضمن أولها خلقاً ربما يشارك فيه بعض المؤمنين ، فحصل من كلامه أن هذا التعريف بحال المضروب به المثل في هذه الآية أرجأ من حال المضروب به المثل في آية الكهف ، ألا ترى أن آية الكهف لا يكاد شيء من كلمها يجري في وصف المؤمنين ، ألا ترى ابتداء مطلع وصف المذكور فيها مخبراً عنه بقوله : ( وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) ( الكهف : 35 ) ، وبقوله : ( مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ) ( الكهف : 35 - 36 ) ، ثم حكم لنفسه بعد إنكاره العبث باستحقاق ما عجل له من جعل الجنتين كما وصفتا ، فقال : ( وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ) ( الكهف : 36 ) ، فتأمل ما بين هذه الكلم الواردة في وصف هذا الكافر والوادة في قوله في آية سورة السجدة ( لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ) ( فصلت : 49 ) ، أي من أن يدعو بالخير لنفسه ويستزيد منه ، وهذه صفة توجد في المؤمنين ، وبها افتتح الوصف المضروب به المثل في هذه الآية ، ثم قال بعدما ذكر من كلامه : ( وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى ) ( فصلت : 50 ) ، فقوله : ( إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى ) ليس في موازنة قول الآخر في آية الكهف : ( لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ) ( الكهف : 36 ) وإن خفي ما بينهما . فلما افترقت الآيتان فيما ذكر ، ناسب آية الكهف قوله : ( وَلَئِنْ رُدِدْتُ ) ، لما يشعر لفظ رددت ويحتمله من القهر والتعنيف وقوعاً أكثرياً لا بالوضع ، بخلاف لفظ رجع إذا قلت منه : رجعته أو رجع فإنه لا يحتمل ولا يفهم من معنى القهر والتعنيف ما يحتمله ردّ ، ألا ترى وروده في مثل قوله : ( ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ) ( الكهف : 87 ) ، وقوله : ( ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) ( التوبة : 94 ) ، وقوله بعد : ( وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) ( التوبة : 105 ) ، وفي الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم في الشيطان حين تعرض ( له ) في صلاته ، قال صلى الله عليه وسلم : ( فرده الله خاسئاً ) ، ففي كثرة ورود هذا حيث يراد هذا المعنى أدل دليل على ما أشير إليه . أما رجع وما تصرف منه فقل ما يرد لهذا ، وإن ورد فليس ككثرة رد . فأما قوله تعالى : ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ )
ملاك التأويل — صفحة 319 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي