تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
النحل لم يرد فيها ذكر هذه الاستراحة فقيل هنا : ( مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ) ( النحل : 79 ) ، وتناسب ذلك وامتنع عكس الوارد بما تبين ، والله أعلم . الآية الثالثة عشر : غ - قوله تعالى : ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) ( النحل : 84 ) ، وفي آية سادسة من هذه : ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) ( النحل : 89 ) ، ففي الأولى ( مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ) وفي الثانية ( فِي كُلِّ أُمَّةٍ ) ، وفي الأولى : ( شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) وفي الثانية : ( شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ ) ، فللسائل أن يسأل عن موجب الاختلاف في الآيتين ؟ واعلم أن الآية الأولى متفق فيها على أن المراد بها الأنبياء ، عليهم السلام ، مع أممهم ، وكل نبي شاهد على أمته ولها بإيمان مؤمنها وكفر كافرها ، ولم يختلف المفسرون في هذا ، وإنما السؤال في الآية الثانية لاختلافهم فيها ، فأكثر المفسرين لم يفرق بينها وبين الأولى فيما قصد بها ، وأن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم شاهد على أمته كشهدة الرسل على أممهم ، ثم إن هذه تضمنت زائداً على ذلك حسبما نبينه ، وأشار بعضهم إلى الفرق بين الآيتين من غير تحرير ولا ركون إلى توجيه يعتمد ، فأقول - وأسأل الله توفيقه : إن هذه الآية لثانية المراد بها تخصيص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالإفصاح فيها - ما شاركت فيه الأولى - بما منح من الكتاب العزيز وعظيم النعمة عليه وعلى أمته ، فاتسؤنف وقوله تعالى : ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ) . وكرر ليبنى عليه ما بعد من قوله : ( وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ . . . ) الآية ، فهذا من قبيل قوله تعالى : ( وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا ) ( الأعراف : 90 ) ، وقد تقدم هذا قوله تعالى : ( قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ ) ( الأعراف : 88 ) ، فكرر : ( قَالَ الْمَلَأُ ) ليبني عليه ما اتصل به ، ونحو هذا قوله تعالى : ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) ( البقرة : 150 ) ، وقد تقدم أمره عليه السلام ، ( بهذا ) إلا أنه أعيد ليبنى عليه ما بعد من قوله تعالى : ( وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) ( البقرة : 150 ) ليفهم وحيث ما كنتم من البلاد أو المواضع التي خرجتم إليها ، ولم تكن الآية المتقدمة لتعطي ذلك إلا باعتماد من غير تحرير ، فلم يكن بد من إعادة ما ذكر ليتحرر المعنى المراد من الآية ، وقد مر بيان ذلك في سورة البقرة عند ذكر الآية المشار إليها . ومن نحو هذا في الإخبار قوله تعالى : ( أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا