وهذا الذي أبان عنه ابنُ جِنِّيْ ، وهو : تصويبُ ما كان له وَجْهٌ مِنَ العربيَّةِ قائمٌ ، ولو في لُغَةٍ لِبَعْضِ العَرَبِ : هو المنهجُ الْمَرْضِيُّ ؛ فقد جَرَى عليه عَمَلُ المحقِّقين مِنَ العلماءِ قديمًا وحديثًا ، وطبَّقوه في كُتُبِهِمْ ، على اختلافِ الفُنُونِ والعلومِ ، كما تقدَّم بيانُهُ قريبًا .
على أنَّ تحقيقَ هذا المَطْلَبِ والاضطلاعَ به في هذا الكتابِ : قد أخَذَ منَّا وقتًا وجهدًا كبيرَيْنِ ؛ لكثرةِ ما فيه مِنَ القضايا اللغويةِ والنحويةِ التي خالفتِ الجَادَّةَ وما اشتهَرَ من القواعدِ ( 1 ) ،
وليس الْمُخْبَرُ
هامش
( 1 ) وأكثرُ ما وقَعَ في كتابنا هذا مِنْ تلك القضايا : هو مِنَ المسائلِ اللغويَّةِ المختلَفِ فيها بين أئمَّةِ العربيَّة ومدارِسِهَا ؛ ولهذا فقد احتجَجْنَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هذه الوجوهِ والتخاريجِ : بنصوصٍ من القرآنِ وقراءاتِه ، والحديثِ وما يَكونُ حُجَّةً مِنْ رواياتِه ، ومِنْ كلامِ العَرَبِ الْمُحْتَجِّ بهم نَثْرًا وشِعْرًا ، وهذه هي الحُجَجُ السمعيَّةُ عند النحاةِ واللُّغَويين ، والسَّمَاعُ أَقْوَى الحُجَجِ عندهم ، وقد عَزَوْنَا الآياتِ إلى مواضعها من المُصْحَفِ الشريف ، واجتهدْنَا في نِسْبَةِ القراءاتِ إلى أشهَرِ وأَتْقَنِ مَنْ قرَأَ بها ، والأحاديثِ إلى أوثقِ مَنْ أخرجَهَا ، وأما كلامُ العربِ نَثْرُهُ وشِعْرُهُ : فقد بذلْنَا وُسْعَنَا في معرفةِ قائليه ، ومع هذا فقد فاتنا نسبةُ بعضِهِ ؛ وإنما تَحَرَّيْنَا ذلك لِمَا عُرِفَ مِنْ علم أصول النحو : أنَّه لا يَجُوزُ الاحتجاجُ بشِعْرٍ أوْ نَثْرٍ لا يُعْرَفُ قائلُهُ ، وإنْ كان التحقيقُ : أنَّ في ذلك تفصيلاً ، وأنَّ مَدَارَ القَبُولِ والرَّدِّ في شواهدِ العربيَّة : على مَخَارِجِ رِوَايَتِهَا ، وَصِدْقِ رُوَاتِهَا ، والثقةِ بهم . انظر : " الخصائص " لابن جِنِّيْ ( 3 / 309 - 313 / باب في صِدْقِ النَّقَلَة ، وثِقَةِ الرُّوَاةِ والحَمَلَة ) ، و " الإصباح ، في شرح الاقتراح " للدكتور محمود فَجَّال ( ص 123 - 127 ) ، و " فيضَ نَشْرِ الانشراح ، مِنْ رَوْضِ طَيِّ الاقتراح " لابن الطَّيِّب الفاسي ( ص 123 - 127 ، ت : الدكتور محمود فَجَّال ) ، وغيرَهَا من كتبِ هذا الفن . . وانظر بحثًا بعنوان « من كلام العرب : قولُهُمْ : أمَّا أَنْتَ مُنْطَلِقًا انْطَلَقْتُ » للدكتور محمد أحمد الدالي ، ضمن مَجَلَّةِ مجمع اللغة العربية بدمشق . المجلد 69 ، ج 3 ، ص 809 - 811 .
هذا ؛ وقد كُنَّا أَطَلْنَا في تخريجِ هذه المواضعِ من الكتابِ على هذا المَنْهَجِ ، مُحْتَجِّينَ بما وقَفْنَا عليه مِنْ شواهدَ قرآنيَّةٍ وحَدِيثِيَّةٍ ، ومِنْ كلامِ العربِ نَثْرِهِ وشِعْرِهِ ، لكنَّنا رَأَيْنَا أنَّ حَوَاشِيَ الكتابِ قد أُثْقِلَتْ بهذه التخريجاتِ ؛ فاختصَرْناها تخفيفًا على القارئ ، ونظرًا لطبيعةِ هذا الكتابِ ، فهو كتابٌ مختصٌّ بِعِلَلِ الأحاديث ، واكتفَيْنَا بِبَعْضِ تلك الشواهد مما فيه الحُجَّةُ والبيان ، مع سَرْدِ المصادر المختلفة لهذه الوجوه والتخريجات والشواهد ؛ لِيَرْجِعَ إليها ويَسْتَزِيدَ منها مَنْ شاء .