من السقيم ، ثم كانتِ الرحلةُ الثانيةُ بنفسِهِ بعد تمكُّنِ معرفتِهِ » .
وروى الحافظُ ابنُ عساكر ( 1 ) نحوَ هذه العبارة مِنْ طريقِ أبي الحَسَن عليِّ بن إبراهيم الرازيِّ الخطيبِ ؛ قال : سمعتُ أبا بكرٍ محمَّدَ ابنَ عبد اللهِ البغداديَّ بمكة يقول : « كان مِنْ مِنَّةِ الله على عبد الرحمن أنه وُلِدَ بين قَمَاطِرِ ( 2 ) العلمِ والرواياتِ ، وتَرَبَّى بالمذاكراتِ مع أبيه وأبي زُرْعة ، فكانا يَزُقَّانِهِ كما يُزَقُّ الفَرْخُ الصغير ، ويُعْنَيَانِ به ، فاجتمَعَ له مع جوهر نفسه : كثرةُ عنايتهما ، ثم تَمَّتِ النعمةُ بِرِحْلته مع أبيه ، فأدرَكَ الإسنادَ وثقاتِ الشيوخِ بالحجاز والعراق والشام والثغور ، وسُمِعَ بانتخابِهِ حين عرَفَ الصحيح من السقيم ، فترعْرَعَ في ذلك ، ثم كانت رحلتُهُ الثانيةُ بنفسه بعد تمكُّنِ معرفته ، يُعْرَفُ له ذلك ، وتقدَّمَ بحُسْنِ فهمِهِ وديانتِهِ وقديمِ سلفه » .
وكان أبوه حريصًا على تربيتِهِ وتوجيهِهِ واصطحابِهِ معه في الرحلةِ في طلبِ الحديث ، وكان عبد الرحمن خيرَ مثالٍ لطاعةِ الوالدِ والأَخْذِ بتوجيهه .
قال أحمدُ بنُ يعقوبَ الرازيُّ ( 3 ) : سمعتُ عبد الرحمن بن أبي حاتمٍ الرازيَّ يقول : « كنتُ مع أبي في الشامِ في الرِّحْلة ، فدخلْنَا مدينةً ، فرأيتُ رجلاً واقفًا على الطريقِ يَلْعَبُ بِحَيَّةٍ ويقول : مَنْ يَهَبُ
هامش
( 1 ) في " تاريخ دمشق " ( 35 / 360 ) .
( 2 ) جمع " قِمَطْر " ، وهو ما تصان فيه الكتب . " المصباح المنير " ( 2 / 516 ) .
( 3 ) كما في " تاريخ دمشق " ( 35 / 364 ) ، و " معجم البلدان " ( 3 / 120 ) .