نشأتُهُ وطلبُهُ للعِلْمِ وصبرُهُ فيه :
كان مِنْ عادةِ سَلَفِ الأمة تربيةُ أبنائهم على تقديمِ القرآنِ والعنايةِ به قَبْلَ العلومِ الأخرى ، وهذا ما فعلَهُ أبو حاتمٍ الرازيُّ بابنه عبد الرحمن ؛ كما أخبَرَ هو عن نفسِهِ :
قال أبو الحسنِ عليُّ بنُ إبراهيم الرازيُّ الخطيبُ - في ترجمةٍ عَمِلَها لابن أبي حاتم ( 1 ) - : سمعتُ عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول : « لَمْ يَدَعْنِي أبي أَشْتغِلُ بالحديثِ ، حتى قرأْتُ القرآنَ على الفَضْلِ بنِ شاذانَ الرازيِّ ، ثم كَتَبْتُ الحديثَ » . اه - .
ثم بعد أن فرَغَ عبدُالرحمنِ مِنْ قراءةِ القرآنِ على ابن شاذان ، بدأ في طلبِ الحديث ، بمعونةِ أبيه وأبي زُرْعة ، وكان مِنْ نِعَمِ اللهِ عليه أنْ رزقَهُ بهذَيْنِ الإمامَيْنِ اللَّذيْنِ عُنِيَا به ، وسلَكَا به طريقَ الطلب على بصيرةٍ .
قال الرافعيُّ القَزْوِينيُّ ( 2 ) : وَصَفَ الحافظُ إسماعيلُ بنُ محمد الأصبهانيُّ الإمامَ أبا محمَّد ، فقال : « تربَّى بالمذاكراتِ مع أبيه وأبي زُرْعة ؛ كانا يَزُقَّانِهِ كما يُزَقُّ الفَرْخُ الصغيرُ ( 3 ) ، ويُعْنَيَانِ به ، ورحَلَ مع أبيه ، فأدرَكَ ثقاتِ الشيوخِ بالحجاز والعراق والثغور ، وعرَفَ الصحيحَ
هامش
( 1 ) كما في " تاريخ دمشق " ( 35 / 360 ) ، و " سير أعلام النبلاء " ( 13 / 263 ) .
( 2 ) في " التدوين " ( 3 / 155 ) .
( 3 ) زَقَّ الطائرُ فرخَه يَزُقُّه زَقًّا : أطعمه . " القاموس المحيط " ( 3 / 241 ) .