المبحث الثاني في اشتراط القصد
اعلم انّه يعتبر في تحقق العقد ثلاث مراتب من القصد .
« الأولى » قصد اللَّفظ ، ويحترز به عما إذا صدر عنه اللَّفظ في المنام أو صدر عن سبق اللسان .
« الثانية » قصد المعنى وهو قصد استعمال اللفظ فيه ، ويحترز به عن اللَّفظ المهمل وما إذا كان نظر المتكلم إلى نفس اللَّفظ ، كقولنا : ضرب فعل ماض ، فانّ الموضوع فيها نفس اللَّفظ ، دون معناه .
« الثالثة » قصد إنشاء البيع باللَّفظ [ 1 ] فانّ البيع من الأمور الإيجادية والإنشائية في الخارج ، فلا محالة يكون إنشائه بالعقد وإيجاده به مشروطا بقصد إيجاده به ضرورة عدم تحقق الإنشاء إلَّا بالقصد . نعم بناء على ما ذهب اليه بعض ، من عدم كون البيع من الأمور الإيجادية ، يكفي في تحققه مجرد وجود اللَّفظ الكاشف ، وان لم يقصد به الإنشاء .
وبذلك يحصل الاحتراز عمّا إذا قصد باللفظ الكناية عن إنشاء معنى آخر .
شرح
[ 1 ] ليس قصد الإنشاء أمرا آخر وراء اعتبار قصد المعنى من اللَّفظ ، فإنّ ألفاظ الإنشاء بناء على ما تقدّم منا موضوعة ليعتبر مصداقا للمعاني ، فاستعمالها فيها هو اعتبار كون اللَّفظ مصداقا لها .
وقصد المعنى منها هو بعينه قصد كونها مصداقا له ، وهو المسمى بقصد الإنشاء ، وقد تقدم منا الكلام المبسوط في ذلك .
ومحصله : أنّ لفظ اضرب مثلا وضع ليعتبر مصداقا للطلب ، وكذا لفظ بعت وضع بحسب الوضع الثانوي ليعتبر مصداقا للبيع ، فاستعمالهما في معناهما ليس إلَّا التلفظ بهما مع اعتبار كونهما مصداقا للطلب والبيع ، وقصد استعمالهما في معناهما ليس الَّا قصد تحقق طبيعة الطلب والبيع بهما .