تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوجوه والنظائر — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
وكتب قدر والمكتوب بمعنى معلوم وبمعنى محدد ، قال أبو عبيدة : كتب قضى ، وكتب حفظ . والكتب في القرآن على خمسة أوجه : الأول : بمعنى الفرض ، قال اللَّه : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ) أي : فرض ، وإنما جعل الفرض كتبا ؛ لأنه فرضه في الكتاب وهو في القرآن ، ومثله : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) ، ومثله كثير . الثاني : كتب قضى ، قال اللَّه : ( كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) ومثله : ( لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ) ومثله : ( كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ ) أي : قضى وبين ؛ لأن كل من تولاك ضال وقال : ( لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) أي : قضى : ذلك أن اللَّه يقضي عليهمْ بالموت عند القتل لا محالة ، فجعل القتل من قضائه ؛ لأنه سبب لما يقضيه ، وهو الموت . وليس ذلك بموجب أن يكون الذين قتلوا المؤمنين كانوا لا يقدرون على أن يقتلوهم ؛ لأنهم لو كانوا كذلك ما نهاهم اللَّه عن قتلهم ، ولكن كان في المعلوم أنهم سيختارون قتلهم مع قدرتهم على تركه ؛ كما أن ما كتب أو أخبر أنه سيفعله فهو سيكون لا محالة ، وأن اللَّه قادر على أن لا يفعله . ونزلت هذه الآية في قصة أُحُدٍ لما أصيب بها المسلمون ، فقال المنافقون : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ، أي : لو كان ما يزعمه محمد حقا ما قتل إخواننا هاهنا ؛ يعنون ْالسلطان والغلبة ، فجعل قتل إخوانهم وأوليائهم قتلا لهم ، لأنهم منهم فأجابهم اللَّه بقوله : ( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) أي : لو قعدتم في بيوتكم أراد السلامة لخرج منكم الذين كتب الله ؛ وعلم أنهم يقتلون إلى مضاجعهم ، أي : مصارعهم ، ولم يرد القتل عنهم قعودكم ، لأن خلاف ما علمه لا يكون .