تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 598

مساهمون:

ص٥٩٨
24 - فاعلم أنهم إذا ذكروا في تعلقهم بلتوابع ، ومحاولتهم أن يمنعوا من الاستدلال ، مع تسليم عجز العرب عن معارضة القرآن من تراخي زمانه عن زمان النبي صلى الله عليه وسلم ، كالجاحظ وأشباهه ، كانوا في ذلك أجهل ، وكان النقض عليهم أسهل . وذلك أن الشرط في نقض العادة أن يعم الأزمان كلها ، وأن يظهر على مدعي النبوة ما لم يستطيعه مملوك قط . وأما تقدم واحد من أهل العصر سائرهم ، ففي معنى تقد واحد من أهل مصر من الأمصار غيره ممن يضمه وإياه ذلك المصر ، لا فضل في ذلك بين الأمصار والأعصار إذا حققت النظر ، إذ ليس بأكثر من أن واحدًا زاد على جماعة معدودين في نوع من الأنواع ، فكان أعلمهم أو أكتبهم أو أشعرهم ، أو أحذقهم في صنعة ، وأبهرهم في عمل من الأعمال . وليس ذلك من الإعجاز في شيء ، إنما المعجز ما علم أنه فوق قوى البشر وقدرهم ، إن كان من جنس ما يقع التفاضل فيه من جهة القدر ، أو فوق علومهم ، إن كان من قبيل ما يتفاضل الناس فيه بالعلم والفهم . وإذا كنا نعلم أن استمداد الجاحظ وأشباه الجاحظ من كلام العرب والبلغاء الذين تقدموا في الأزمنة ، وانهم فجروا لهم ينابيع القول فاستقوا ، ومثلوا لهم مثلًا في البلاغة افحتذروا ، إذن لم يبلغ شأو ما بلغ 1 ، ولم يدر لهم من ضروع القول ما ذر ، لو أن طباعًا لم تشرب من مائهم 2 ، ولم تعذ بجناهم ، ولم يكن حالهم في الاكتساب منهم ، والاستمداد من ثمار قرائحهم ، وتشمم الذي قاح من روائحهم 3 ، حال النحل التي تغتذى بأريح الأنوار وطيب الأزهار ، وتملأ
هامش
1 غيروا ما في المخطوطة فجعلوه : " إذن لم يبلغوا شأو ما بلغوا " ، والذي في المخطوطة صحيح كل الصحة ، وأساء الناشر إن إذا لم يشير إلى ما في المخطوطة . 2 في المخطوطة والمطبوعة : " ولو أن طباعًا " ، الواو مفسدة للكلام . 3 السياق : " ولم يكن حالهم حال النحل " .
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 598 | عبد القاهر الجرجاني / محمود محمد شاكر