تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 597

مساهمون:

ص٥٩٧
هذا ، ومن يسلم بأن امرأ القيس زاد في البلاغة وشرف النظم على نظم من كان قبله ، ما إذا اعتبر كان في مزية قدر القرآن على نظم من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أين لهم هذه الدعوى ؟ ألشيء علموه هم في شعره ، بان لهم عند قياسه إلى شعر من كان قبله كأبي دواد والأفوه الأودي وغيرهما ؟ أم لخبر أتاهم ؟ فليرونا مكانه ، وليس لهم إلى ذلك سبيل ، بل قد أتى الخبر بما يجهلهم في هذه الدعوى ويكذبهم ، وهو الذي تقدم من قول أبي الأسود وتفضيله أبا دواد بحضرة أمير المؤمنين على رضوان الله عليه 1 ، ويعد أن قال له : " قل يا أبا الأسود " ، أفيكون أن يكونوا قد عرفوا لامرئ القيس المزية التي ذكروها ، وكان فضله على من تقدمه الفضل الذي قالوه ، ثم يقول أمير المؤمنين لأبي الأسود : " قل " ، بحضرة العرب ، وبعقب أن تشاجروا في أشعر الناس ، فيؤخره ويقدم أبا دؤاد ، ثم لا يسمع نكيرًا ، كالذي يجب فيمن قال الشيء الظاهر بطلانه ، وذهب مذهبًا لا مساغ له ! وليست تذكر أمثال هذه الزيادة ، ويتكلف الجواب عنها ، أنها تأخذ موضعًا من قلب ذي لب ، ولكن الاحتياط بذكر ما يتوهم أن يستروح إليه الغوى ، ويغالط به الجاهل . وإذا كانت الشبهة في أصل الدين ، كانت كالداء الذي يخشى منه على الروح ، ويخاف منه على النفس ، فلا يستقل قليله ، ولا يتهاون باليسير منه ، ولا يتوهم مكان حركة له إلا استقصى النظر فيه ، وأعيد الكي على نواحيه ، وكالحيوان ذي السم يعاد الحجر على رأسه ، ما دام يرى به حس وإن قل . والله ولي العصمة ، والمسؤول أن يجعل كل ما نعيد ونبدئ فيه لوجهه ، بفضله ومنه .
هامش
1 انظر ما سلف رقم : 17 .
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 597 | عبد القاهر الجرجاني / محمود محمد شاكر