تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
وبينَه ، وأخذَ به إلى حيثُ أنتَ ، وصرَفَ ناظِرَه إلى الجهة التي إليها أوْمأتَ ، فاستبدَلَ بالنِّفار أُنْساً ، وأراكَ مِنْ بَعْد الإِباء قَبُولاً . 644 - ولم يكنِ الأمرُ على هذه الجملةِ إلاَّ لأنه ليس في أصنافِ العلومِ الخفيَّةِ ، والأُمور الغامضةِ الدقيقةِ ، أعجبُ طريقاً في الخفاء من هذا . وإنَّكَ لَتُتْعِبُ في الشيء نفْسَك ، وتُكِدُّ فيه فكْرَك ، وتَجْهَدُ فيه كلَّ جَهْدِك ، حتى إِذا قلتَ قد قتَلْتُه عِلْماً ، وأحكَمْتُه فَهْماً ، كنت بالذيلا يزال يتراءى لك فيه من شبهة ، ويعرض فيه من شك 1 ، كما قال أبو نواس : أَلاَ لا أَرى مثْلَ امترائيَ في رَسْمِ . . . تغص به عيني ويلظفه وهمي أنت صُوَرُ الأشياءِ بَيني وبينَهُ . . . فظَنِّي كَلاَ ظَنِّ ، وعِلْمي كَلاَ عِلْمِ 2 645 - وإنكَ لتنظرُ في البيتِ دهراً طويلاً وتفسره ، ولا ترى أنه فيه شيئاً لم تَعلَمْه ، ثم يبدو لكَ فيه أمرٌ خفيٌّ لم تكنْ قد علِمْتَه ، مثال ذلك بيت المتنبي : خطأ خفي في " النظم " : عَجَباً لهُ ! حِفْظُ العِنَانِ بأنْمُلٍ . . . ما حِفْظُها الأشياءَ مِنْ عاداتِها 3 مضى الدهرُ الطويلُ ونحن نقرؤه فلا نُنْكِرُ منه شيئاً ، ولا يَقَعُ لنا أنَّ فيه خطأَ ، ثم بانَ بأَخِرةٍ أنه قد أخطأ . وذلك أنه كان ينبغي أن يقولَ : " ما حفظُ الأشياءِ من عادتها " ، فيضيفُ المصدرَ إلى المفعولِ ، فلا يَذكُر الفاعلَ ، ذاك لأن المعنى على
هامش
1 يقول : كنت بهذا الذي يتراءى لك ، كما قال أبو نواس . 2 في ديوانه ، " في باب الخمريات " ، وفيه : " فجهل كلا جهل " . 3 في ديوانه ، وفي " ج " ، " حفظ البنان " ، خطأ صرف .
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 551 | عبد القاهر الجرجاني / محمود محمد شاكر