تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 520

مساهمون:

ص٥٢٠
ثم إِنه اتفاقٌ منَ العقلاء أنَّ الوصْفَ الذي به تَنَاهى القرآنُ إِلى حدٍّ عجزَ عنه المَخلُوقونَ ، هو الفصاحةُ والبلاغةُ . وما رأيْنا عاقلاً جعلَ القرآن فصيحاً أو بليغاً ، بأنْ لا يكونَ في حروفِه ما يَثْقُل على اللسان ، لأنه لو كان يَصِحُّ ذلك ، لكان يَجبُ أن يكونَ السوقيُّ الساقِطُ من الكلامِ ، والسفساف الردئ من الشعرِ ، فصيحاً إِذا خفَّت حروفُه . 606 - وأعْجَبُ من هذا ، أنه يلزم منه أن لو عَمَد عامِدٌ إلى حرَكاتِ الإِعراب فجعَل مكانَ كلِّ ضَمَّةٍ وكَسْرةٍ فتحةً فقال : " الحمدَ للهَ " ، بفتح الدالِ واللام والهاءِ ، وجرَى على هذا في القرآنِ كلِّه ، أنْ لا يَسْلُبَه ذلك الوصفَ الذي هو معْجِزٌ به ، بل كان يَنْبغي أن يزيدَ فيه ، لأنَّ الفتحةَ كما لا يَخْفَى أخفُّ من كلِّ واحدةٍ من الضَّمةِ والكَسْرة . فإِنْ قال : إنَّ ذلك يُحيل المعنى . قيلَ له : إِذا كان المعنى والعلةُ في كونهِ معجزاً خفةَ اللفظِ وسهولَتَه ، فينبغي أنْ يكونَ مع إحالةِ المعنى مُعْجِزاً ، لأنه إذا كان معجزًا لوصف يخصُّ لفظَه دون معناهُ ، كانَ مُحالاً أن يَخْرجَ عن كونهِ معجِزاً ، مع قيام ذلك الوصف فيه . بيان أن قولهم في اللفظ ، يسقط " الكناية " و " الاستعارة " و " التمثيل " و " المجاز " و " الإيجاز " : 607 - ودعْ هذا ، وهَبْ أنه لا يَلزَمُ شيءٌ منه ، فإِنه يكْفي في الدلالةِ على سقوطهِ وقلَّةِ تمييز القائل به ، أنه يَقْتضي إسقاطُ " الكناية " و " الاستعارة " و " التمثيل " و " المجاز " و " الإيجاز " جملةٌ ، واطِّراحُ جميعها رأساً ، مع أنها الأقطابُ التي تَدورُ البلاغةُ عليها ، والأعضادُ التي تَسْتَنِدُ الفصاحةُ إِليها ، والطَّلِبةُ التي يتنازَعُها المُحْسِنونَ ، والرِّهانُ الذي تُجرَّبُ فيه الجيادُ ، والنضالُ الذي تُعْرَفُ به الأيدي الشِّدَادُ ، وهي التي نَوَّهَ بذكْرِها البلغاءُ ، ورفَعَ من أقدارِها العلماءُ ،