وصنفوا فيها الكتب ، ووكلوا بها الهم ، وصرَفوا إِليها الخواطِرَ ، حتى صارَ الكلامُ فيها نوعاً من العِلْم مفْرَداً ، وصناعةً على حِدَة ، ولم يَتَعاطَ أحَدٌ من الناس القولَ في الإعجازِ إلاَّ ذكَرَها وجعَلَها العُمُدَ والأركانَ فيما يوجب الفضل والمزية ، وخصوصًا " الاستعارة " و " الإيجاز " 1 ، فإِنكَ تَراهُمْ يجعلونَهُما عنوانَ ما يَذكُرونَ ، وأولَ ما يُورِدون .
وتَراهُم يَذْكرون من " الاستعارةِ " قولَه عز وجل : { وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا } [ مريم : 4 ] ، وقولَه : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ } [ البقرة : 93 ] ، وقولَه عزَّ وجَلَّ : { وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ } [ يس : 37 ] ، وقوله عزَّ وجلَّ : { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر } [ الحجر : 94 ] ، وقولَه : { فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا } [ يوسف : 80 ] ، وقولَه تعالى : { حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } [ محمد : 4 ] ، وقولَه : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُم } [ البقرة : 16 ] .
ومن " الإيجازِ " قولَه تعالى : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ } [ الأنفال : 58 ] ، وقولَه تعالى : { وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير } [ فاطر : 14 ] ، وقوله { فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ } [ الأنفال : 57 ] ، وتراهم على لسانٍ واحدٍ في أنَّ " المجازَ " و " الإيجاز " من الأركانِ في أمْر الإِعجاز .
608 - وإِذا كان الأمرُ كذلك عندَ كافَّةِ العلماءِ الذينَ تكلَّموا في المزيا التي للقُرآن ، فَيَنْبغي أن يُنْظَر في أمْر الذي يُسَلَّمُ نفسَه إِلى الغرورِ ، فَيزعُم أنَّ الوصوف الذي كانَ له القرآنُ مُعجزاً ، هو سَلامةُ حروفه مما يثقل على اللسان ،
هامش
1 في المطبوعة : " والمجاز " ، ومثل الذي هنا في نسخة عند رشيد رضا . وهو الصواب ، يدل عليه ما يأتي .