فقلتَ 1 : " رأيتُ رجُلاً مساوياً للأسد في الشجاعةِ ، وبحيثُ لولا صورتُه لظنْنتَ أنكَ رأيتَ أسداً " ، وما شاكلَ ذلك من ضروبِ المبالغة أنْ تَجِد لكلامِكَ المزيةَ التي تَجدُها لقولك : " رأيتُ أسداً " . وليس يَخْفى على عاقلٍ أنَّ ذلكَ لا يكونُ .
531 - فإنْ قال قائلٌ : إنَّ المزيَّة من أجْلِ أَنَّ المساواةَ تُعْلَم في " رأيتُ أسداً " من طريقِ المعنى ، وفي " رأيتُ رجلاً مساوياً للأسد " من طريقِ اللفظِ .
قيلَ : قد قلنا فيما تَقدَّم 2 ، إنه محالٌ أن يتغيَّر حالُ المعنى في نفسه ، بأنْ يكَنَّى عنه بمعنىً آخر ، وأنه لا يُتصوَّر أنْ يتغيَّر معنى طولِ القامة بأن يكنى عنه بطول النِجاد ، ومعنى كثرةِ القِرى بأنْ يكنَّى عنه بكثرةِ الرماد . وكما أنَّ ذلك لا يُتصوَّر ، فكذلكَ لا يُتصوَّر أن يتغيَّر معنى مساواةٍ الرجلِ الأسدَ في الشجاعةِ ، بأن يُكنَّى عن ذلك ويُدَلَّ عليه بأن تَجْعَله " أسداً " . فأنتَ الآن إذا نظرت إلى قوله :
فأسبلت لولؤا من نرجس وسقت . . . وردًا وغضت على العُنَّابِ بالبَرَدِ 3
فرأيته قد أفادَكَ أنَّ " الدمع " كان لا يحرم من شبه الؤلؤ ،
هامش
1 عند أول قوله : " إذا جئت به صريحًا " ينتهى ما أسقط كاتب " س " ، حيث وصل الكلام في أواخر الفقرة رقم : 508 ، فكتب : " من بعد أن لا يرد إذا جئت به صريحًا ، وانظر التعليق هناك .
2 انظر ما سلف رقم : 528 .
3 هو للوأواء الدمشقي ، في دويانه .