تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
وهو وإنْ كانَ شيئاً قد استَحْكمَ في النفوسِ حتَّى إنك تَرى الخاصَّةَ فيه كالعامَّة ، فإن الأمر بعد على خلافهِ . وذاك أنَّا إذا حقَّقْنا ، لم نجدْ لفظَ " أسدٍ " قد استُعمِل على القطْع والبتِّ في غيرِ ما وُضِع له . ذاك لأنه لم يُجْعَل في معنى " شجاعٍ " على الإِطلاقِ ، ولكنْ جُعِل الرجلُ بشجاعته أسداً ، فالتجوُّزُ في أنِ ادَّعَيْتَ للرجل أنه في معنى الأسدِ 1 ، وأنه كأنَّه هو في قوة قَلْبه وشدَّةِ بطْشِه ، وفي أنَّ الخوفَ لا يخامِرُهُ ، والذُّعْرَ لا يَعْرِضُ له . وهذا إن أنتَ حصَّلْتَ ، تجوُّزٌ منك في معنى اللفظِ لا اللفظِ ، وإنما يكونُ اللفظُ مُزالاً بالحقيقةِ عن موضِعِهِ ، ومنقولاً عما وُضِعَ له . أنْ لو كنتَ تَجد عاقلاً يقول : " هو أسَد " ، وهو لا يُضمِر في نفسِه تشبيهاً له بالأسدِ ، ولا يُريد إلاَّ ما يريدُه إذا قال : " هو شجاعٌ " . وذلك ما لا يُشَكُّ في بطلانه . التجوز في ذكر " اللفظ " ، وأنه المراد به " المعنى " : 438 - وليس العجبُ إلاَّ أنهم لا يَذْكُرون شيئاً من " المجازِ " إلاَّ قالوا : " إنَّه أبلغُ من الحقيقة " . فليتَ شعري ، إنْ كان لفظُ " أسد " قد نُقِل عما وُضِعَ له في اللغة ، وأزيلَ عنه ، وجُعِل يرادُ به " الشجاعُ " هكذا غُفْلاً ساذجاً ، فمن أين يجبُ أنْ يكونَ قولنا : " أسد " ، أبلغ من قولنا " شجاع " ؟ إزالة شبهة في شأن " المجاز " : وهكذا الحُكْم في " الاستعارة " ، هي ، وإنْ كانت في ظاهرِ المعاملة من صفةِ " اللفظِ " ، وكنَّا نقول : " هذه لفظة مستعارة " و " قد استُعِيرَ له اسمُ الأسد " فإنَّ مآلَ الأمرِ إلى أنَّ القصدَ بها إلى المعنى .
هامش
1 في " ج " ، حاشية بخط كاتب النسخة هذا نصها : " تجوزه أنه ادعى لما ليس بأسد أنه أسد " .