أَوْصَى لِمَوَالِيهِ فَهِيَ لِمَنْ أَعْتَقَهُ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَلِأَوْلَادِهِمْ ، وَلَا يَدْخُلُ مَوَالِي الْمَوَالِي إِلَّا عِنْدَ عَدَمِهِمْ ،
شرح
وَرَوَى الْخِصَافُ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ ، وَذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ : إِذَا أَخَذَ أَمَانًا لِنَفْسِهِ وَلِوَلَدِهِ لَمْ يُدْخُلْ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ ، وَجْهُ رِوَايَةِ الْخَصَّافِ أَنَّ الْوَلَدَ يُنْسَبُ إِلَى أَبَوَيْهِ حَقِيقَةً وَيُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ مَجَازًا ، فَإِذَا نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ أَبِ أَبِيهِ بِأَنَّهُ ابْنُهُ مَجَازًا ، فَكَذَلِكَ يُنْسَبُ إِلَى أَبِ أُمِّهِ ، وَلِأَنَّ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُقَالُ لَهُ ابْنُ آدَمَ وَلَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ أُمِّهِ . وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ يُنْسَبُونَ إِلَى أَبِيهِمْ .
قَالَ :
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا . . . بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ
وَإِذَا نُسِبُوا إِلَى آبَائِهِمْ لَمْ يُنْسَبُوا إِلَى أَبِ الْأُمِّ فَلَا يَدْخُلُونَ فِي الْوَصِيَّةِ لَهُ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ } [ الأحزاب : 40 ] ، وَلَوْ كَانَ وَلَدُ الْبِنْتِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ لَكَانَ أَبًا لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - .
قَالَ : ( أَوْصَى لِمَوَالِيهِ فَهِيَ لِمَنْ أَعْتَقَهُ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَلِأَوْلَادِهِمْ ) مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَسَوَاءٌ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ أَوْ بَعْدَهَا ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالْمَوْتِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ ثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَاسْتَحَقَّ الْوَصِيَّةَ لِوُجُودِ الصِّفَةِ فِيهِ ، وَأَوْلَادُهُمْ أَيْضًا يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ بِالْوَلَاءِ الْمُعَلَّقِ بِالْعِتْقِ فَيَدْخُلُونَ مَعَهُمْ ، وَالْمُدَبَّرُونَ وَأُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ لَا يَدْخُلُونَ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ لِأَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الْحُرِّيَّةَ بِسَبَبٍ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ فَنُسِبُوا إِلَى الْوَلَاءِ كَالْمُعْتَقِ . وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تُسْتَحَقُّ بِالْمَوْتِ وَهَؤُلَاءِ يُعْتَقُونَ عَقِيبَ الْمَوْتِ ، وَيَثْبُتُ لَهُمُ الْوَلَاءُ بَعْدَهُ ، فَحَالَ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ لَمْ يَكُونُوا مَوَالِيَ فَلَا يَدْخُلُونَ فِيهَا . وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إِنْ لَمْ أَضْرِبْكَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَمَاتَ قَبْلَ ضَرْبِهِ دَخَلَ فِي الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ يُعْتَقُ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنِ الضَّرْبِ ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ فَيَسْتَحِقُّ اسْمَ الْوَلَاءِ عَقِيبَ الْمَوْتِ فَيَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ .
وَأَمَّا مَوَالِي الْمُوَالَاةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ : إِذَا كَانَ الْمُوصِي مِنَ الْعَرَبِ وَلَهُ مَوَالِي عَتَاقَةٍ وَمَوَالِي مُوَالَاةٍ ، فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْوَصِيَّةِ ; لِأَنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُ الْكُلَّ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ : الْوَصِيَّةُ لِوَلَاءِ الْعَتَاقَةِ وَأَوْلَادِهِمْ دُونَ مَوَالِي الْمُوَالَاةِ ; لِأَنَّ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ بِالْعِتْقِ ، وَوَلَاءَ الْمُوَالَاةِ بِالْعَقْدِ فَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَغَايِرَانِ فَلَا يَنْتَظِمُهُمَا لَفْظٌ وَاحِدٌ ، وَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ أَلْزَمُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ الْأَوْلَادِ ؛ لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ هُمْ وَالْآبَاءُ إِلَيْهِ بِوَلَاءٍ وَاحِدٍ .
قَالَ : ( وَلَا يَدْخُلُ مَوَالِي الْمَوَالِي إِلَّا عِنْدَ عَدَمِهِمْ ) ؛ لِأَنَّهُمْ مَوَالِي غَيْرِهِ حَقِيقَةً ، وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ الْوَلَدِ مَعَ وَلَدِ الصُّلْبِ ، فَإِنَّ الْمَوَالِيَ حَقِيقَةً الَّذِينَ أُوقِعَ عَلَيْهِمُ الْعِتْقُ ، وَمَوَالِي الْمَوَالِي يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ مَجَازًا ، فَلَا يَتَنَاوَلُهُمُ الِاسْمُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمَوَالِي حَقِيقَةً لِمَا مَرَّ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَوْلَيَانِ فَالثُّلُثُ لَهُمَا ; لِأَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ فِي الْوَصَايَا يُحْمَلُ عَلَى الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا لِمَا مَرَّ .