تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
فَلَوْ أُخِذَ وَرِيحُهَا تُوجَدُ مِنْهُ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْإِمَامِ انْقَطَعَتْ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ حُدَّ ، وَيُحَدُّ بِشُرْبِ قَطْرَةٍ مِنَ الْخَمْرِ ، وَبِالسُّكْرِ مِنَ النَّبِيذِ ؛ وَالسَّكْرَانُ مَنْ لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنَ الْمَرْأَةِ ، وَالْأَرْضَ مِنَ السَّمَاءِ ؛ وَلَا يُحَدُّ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ سَكِرَ مِنَ النَّبِيذِ وَشَرِبَهُ طَوْعًا ، وَلَا يُحَدُّ حَتَّى يَزُولَ عَنْهُ السُّكْرُ ، وَلَا يُحَدُّ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ أَوْ تَقَيَّأَهَا .
شرح
فَإِنَّهُ شَرَطَ وُجُودَ الرَّائِحَةِ ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ بِابْنِ أَخٍ لَهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَاعْتَرَفَ عِنْدَهُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ : بِئْسَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ أَنْتَ لَا أَدَّبْتَهُ صَغِيرًا وَلَا سَتَرْتَ عَلَيْهِ كَبِيرًا ! تَلْتِلُوهُ وَمَزْمِزُوهُ ثُمَّ اسْتَنْكِهُوهُ ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ رَائِحَةَ الْخَمْرِ فَاجْلِدُوهُ شَرَطَ وُجُودَ الرَّائِحَةِ فَيَكُونُ شَرْطًا . ( فَلَوْ أُخِذَ وَرِيحُهَا تُوجَدُ مِنْهُ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْإِمَامِ انْقَطَعَتْ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ حُدَّ ) فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّهُ عُذْرٌ فَلَا يُعَدُّ تَقَادُمًا كَمَا قُلْنَا فِي حَدِّ الزِّنَا ، وَلَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ لِزِيَادَةِ احْتِمَالِ الْكَذِبِ فَتَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ ، وَيَسْقُطُ بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدِ ، وَالسَّكْرَانُ فِيهِ كَالصَّاحِي كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ عُقُوبَةً لَهُ . قَالَ : ( وَيُحَدُّ بِشُرْبِ قَطْرَةٍ مِنَ الْخَمْرِ ، وَبِالسُّكْرِ مِنَ النَّبِيذِ ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ » وَلِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ » وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - . ( وَالسَّكْرَانُ مَنْ لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنَ الْمَرْأَةِ وَالْأَرْضَ مِنَ السَّمَاءِ ) وَقَالَا : هُوَ الَّذِي يَخْلِطُ كَلَامَهُ وَيَهْذِي لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَأْخُذُ فِي أَسْبَابِ الْحُدُودِ بِأَقْصَاهَا دَرْءًا لِلْحَدِّ ، وَأَقْصَاهُ الْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ حَتَّى لَا يُمَيِّزَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ ، لِأَنَّهُ مَتَى مَيَّزَ فَذَلِكَ دَلَالَةُ الصَّحْوِ أَوْ بَعْضِهِ وَأَنَّهُ ضِدُّ السُّكْرِ ، فَمَتَى ثَبَتَ أَحَدُهُمَا أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ لَا يَثْبُتُ الْآخَرُ . ( وَلَا يُحَدُّ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ سَكِرَ مِنَ النَّبِيذِ وَشَرِبَهُ طَوْعًا ) لِأَنَّ السُّكْرَ يَكُونُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ كَالْبَنْجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ وَغَيْرِهِمَا وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ ، وَكَذَلِكَ الشُّرْبُ مُكْرَهًا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ فَلِذَلِكَ شَرَطَ ذَلِكَ . قَالَ : ( وَلَا يُحَدُّ حَتَّى يَزُولَ عَنْهُ السُّكْرُ ) لِيَتَأَلَّمَ بِالضَّرْبِ فَيَحْصُلُ مَصْلَحَةُ الزَّجْرِ . قَالَ : ( وَلَا يُحَدُّ مِنْ وُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ أَوْ تَقَيَّأَهَا ) لِأَنَّ الرَّائِحَةَ مُشْتَبِهَةٌ وَاحْتِمَالُ أَنَّهُ شَرِبَهَا مُكْرَهًا ثَابِتٌ ، وَالْحُدُودُ لَا تَجِبُ بِالشَّكِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .