تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
وَإِذَا رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ قَبْلَ الْحَدِّ أَوْ فِي وَسَطِهِ خُلِّيَ سَبِيلُهُ وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُلَقِّنَهُ الرُّجُوعَ كَقَوْلِهِ لَهُ : لَعَلَّكَ وَطِئْتَ بِشُبْهَةٍ ، أَوْ قَبَّلْتَ ، أَوْ لَمَسْتَ . .
شرح
إِنْ أَقْرَرْتَ الرَّابِعَةَ رَجَمَكَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الرَّابِعَةَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الرَّجْمِ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا تَوْقِيفًا . وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ : « كُنَّا نَتَحَدَّثُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّ مَاعِزًا لَوْ قَعَدَ فِي بَيْتِهِ بَعْدَ الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ وَلَمْ يُقِرَّ لَمْ يَرْجُمْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - » وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَرَفُوهُ شَرِيعَةً قَبْلَ رَجْمِ مَاعِزٍ ؛ وَلِأَنَّ الزِّنَا اخْتُصَّ بِزِيَادَةِ تَأْكِيدٍ لَمْ يَجِبْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْحُدُودِ إِعْظَامًا لِأَمْرِهِ وَتَحْقِيقًا لِمَعْنَى السَّتْرِ كَزِيَادَةِ عَدَدِ الشُّهُودِ وَالسُّؤَالِ عَنْ حَالِ الْمُقِرِّ ، فَيُنَاسِبُ أَنْ يَخْتَصَّ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ فِي الْأَقَارِيرِ أَيْضًا وَاشْتِرَاطُ اخْتِلَافِ الْمَجَالِسِ لِمَا رَوَيْنَا ، وَلِأَنَّ اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ يُؤَثِّرُ فِي جَمِيعِ الْمُتَفَرِّقَاتِ فَتَثْبُتُ شُبْهَةُ الِاتِّحَادِ فِي الْإِقْرَارِ ، وَالْمُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ مَجْلِسِ الْمُقِرِّ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَائِمٌ بِهِ دُونَ الْقَاضِي . فَإِذَا أَقَرَّ أَرْبَعًا عَلَى مَا وَصَفْنَا يَسْأَلُ الْقَاضِي عَنْ حَالِهِ ، لِمَا رُوِيَ « أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ لِمَاعِزٍ : " أَبِكَ دَاءٌ ؟ أَبِكَ خَبَلٌ ؟ أَبِكَ جُنُونٌ ؟ فَقَالَ لَا ، وَبَعَثَ إِلَى قَوْمِهِ فَسَأَلَهُمْ هَلْ تُنْكِرُونَ مِنْ حَالِهِ شَيْئًا ؟ قَالُوا : لَا ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ » فَإِذَا عَرَفَ صِحَّةَ عَقْلِهِ سَأَلَهُ عَنِ الزِّنَا لِمَا تَقَدَّمَ فِي الشُّهُودِ ، وَلِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وَطِئَهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَاعْتَقَدَهُ زِنًا ، « وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمَاعِزٍ : " لَعَلَّكَ لَمَسْتَ ، لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ ، لَعَلَّكَ بَاشَرْتَ » ، فَلَمَّا ذَكَرَ مَاعِزٌ النُّونَ وَالْكَافَ قَبِلَ إِقْرَارَهُ ، وَيَسْأَلُهُ عَنِ الْمَزْنِيِّ بِهَا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمَاعِزٍ : " فَبِمَنْ " ؟ وَلِجَوَازِ أَنَّهُ وَطِئَ مَنْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِوَطْئِهَا كَجَارِيَةِ الِابْنِ وَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَنَحْوَهِمَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ ، وَيَسْأَلُهُ عَنِ الْمَكَانِ لِمَا بَيَّنَّا وَلَا يَسْأَلُهُ عَنِ الزَّمَانِ ، لِأَنَّ التَّقَادُمَ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الْإِقْرَارِ لِمَا بَيَّنَّا ، وَقِيلَ يَسْأَلُهُ لِجَوَازِ أَنَّهُ زَنَى حَالَةَ الصِّغَرِ ، فَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْحَدُّ لِتَمَامِ الْحُجَّةِ وَلِمَا رَوَيْنَا . قَالَ : ( وَإِذَا رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ قَبْلَ الْحَدِّ أَوْ فِي وَسَطِهِ خُلِّيَ سَبِيلُهُ ) لِأَنَّ رُجُوعَهُ إِخْبَارٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ كَالْإِقْرَارِ وَلَا مُكَذِّبَ لَهُ . فَتَحَقَّقَتِ الشُّبْهَةُ لِتَعَارُضِ الْإِقْرَارِ بِالرُّجُوعِ ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يُكَذِّبُهُ فَلَا مُعَارِضَ لِإِقْرَارِ الْأَوَّلِ . وَرُوِيَ : « أَنَّ مَاعِزًا لَمَّا مَسَّهُ حَرُّ الْحِجَارَةِ هَرَبَ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : هَلَّا خَلَّيْتُمْ سَبِيلَهُ » فَجَعَلَ الْهَرَبَ الدَّالَّ عَلَى الرُّجُوعِ مُسْقِطًا لِلْحَدِّ فَلَأَنْ يَسْقُطَ بِصَرِيحِ الرُّجُوعِ أَوْلَى . ( وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُلَقِّنَهُ الرُّجُوعَ كَقَوْلِهِ لَهُ : لَعَلَّكَ وَطِئْتَ بِشُبْهَةٍ ، أَوْ قَبَّلْتَ ، أَوْ لَمَسْتَ ) لِمَا رَوَيْنَا وَاحْتِيَالًا لِلدَّرْءِ . وَرُوِيَ « أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَالَ لَهُ : مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ » وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّلْقِينِ