تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
وَيُجَرَّدُ عَنْ ثِيَابِهِ إِلَّا الْإِزَارَ ، وَلَا تُجَرَّدُ الْمَرْأَةُ إِلَّا عَنِ الْفَرْوِ وَالْحَشْوِ ، وَإِنْ حُفِرَ لَهَا فِي الرَّجْمِ جَازَ ، وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قَائِمًا فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ ، وَلَا يُجْمَعُ عَلَى الْمُحْصَنِ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ ، وَلَا يُجْمَعُ عَلَى غَيْرِ الْمُحْصَنِ الْجَلْدُ وَالنَّفْيُ إِلَّا أَنْ يَرَاهُ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً فَيَفْعَلَهُ بِمَا يَرَاهُ ،
شرح
قَالَ : ( وَيُجَرَّدُ عَنْ ثِيَابِهِ إِلَّا الْإِزَارَ ) هَكَذَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إِيصَالِ الْأَلَمِ إِلَيْهِ ، وَحَدُّ الزِّنَا مَبْنَاهُ عَلَى شِدَّةِ الضَّرْبِ فَيَقَعُ أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ ، وَنَزْعُ الْإِزَارِ يُؤَدِّي إِلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ فَلَا يُنْزَعُ . قَالَ : ( وَلَا تُجَرَّدُ الْمَرْأَةُ إِلَّا عَنِ الْفَرْوِ وَالْحَشْوِ ) لِأَنَّ مَبْنَى حَالِهِنَّ عَلَى السَّتْرِ ، وَفِي نَزْعِ ثِيَابِهَا كَشْفُ عَوْرَتِهَا ، وَالسِّتْرُ يَحْصُلُ بِدُونِ الْحَشْوِ وَالْفَرْوَ ، وَفِيهِمَا مَنْعٌ مِنْ وُصُولِ الْأَلَمِ فَيُنْزَعَانِ وَتُضْرَبُ جَالِسَةً لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا . وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : يُضْرَبُ الرِّجَالُ فِي الْحُدُودِ قِيَامًا وَالنِّسَاءِ قُعُودًا ( وَإِنْ حُفِرَ لَهَا فِي الرَّجْمِ جَازَ ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَفَرَ لِلْهَمْدَانِيَّةِ ، وَإِنَّ تَرْكَهُ لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ . ( وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قَائِمًا فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَلَا يُمَدُّ وَلَا يُشَدُّ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ عُقُوبَةٍ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ عَلَيْهِ . قَالَ : ( وَلَا يُجْمَعُ عَلَى الْمُحْصَنِ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ مَاعِزًا وَلَمْ يَجْلِدْهُ ، وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْجَلْدِ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِّ الزَّجْرُ وَهُوَ لَا يَنْزَجِرُ بَعْدَ هَلَاكِهِ ، وَزَجْرُ غَيْرِهِ يَحْصُلُ بِالرَّجْمِ إِذِ الْقَتْلُ أَبْلَغُ الْعُقُوبَاتِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ . قَالَ : ( وَلَا يَجْمَعُ عَلَى غَيْرِ الْمُحْصَنِ الْجَلْدُ وَالنَّفْيُ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا } [ النور : 2 ] الْآيَةَ ، وَأَنَّهُ بَيَانٌ لِجَمِيعِ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ كُلُّ الْمَذْكُورِ ، أَوْ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِحَرْفِ الْفَاءِ وَهُوَ الْجَزَاءُ ، فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يُسَاوِيهِ أَوْ يَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ ، إِذِ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ ، وَلِأَنَّ النَّفْيَ يَفْتَحُ عَلَيْهَا بَابَ الزِّنَا لِقِلَّةِ اسْتِحْيَائِهَا مِنْ عَشِيرَتِهَا وَفِيهِ قَطْعُ الْمَادَّةِ عَنْهَا فَرُبَّمَا اتَّخَذَتْ ذَلِكَ مَكْسَبًا وَفِيهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : كَفَى بِالتَّغْرِيبِ فِتْنَةً وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ » قُلْنَا : الْآيَةُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ فَنَسَخَتْهُ . بَيَانُهُ أَنَّ الْجَلْدَ فِي الْأَصْلِ كَانَ الْإِيذَاءَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَآذُوهُمَا ) ثُمَّ نُسِخَ بِالْحَبْسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ } [ النساء : 15 ] إِلَى قَوْلِهِ : { أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا } [ النساء : 15 ] ثُمَّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا » الْحَدِيثَ فَكَانَ بَيَانًا لِلسَّبِيلِ الْمَوْعُودِ فِي الْآيَةِ ، وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجَلْدِ ، فَكَانَتْ نَاسِخَةً لِلْكُلِّ ، أَوْ نَقُولُ : هُوَ حَدِيثُ آحَادٍ فَلَا يُزَادُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ لِمَا بَيَّنَّا . قَالَ : ( إِلَّا أَنْ يَرَاهُ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً فَيَفْعَلُهُ بِمَا يَرَاهُ ) فَيَكُونُ سِيَاسَةً وَتَعْزِيرًا لَا حَدًّا ، وَهُوَ تَأْوِيلُ مَا رُوِيَ مِنَ التَّغْرِيبِ