الاختيار لتعليل المختار — صفحة 69
حَلَفَ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ أَوْ لَيَطِيرَنَّ فِي الْهَوَاءِ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ وَحَنِثَ لِلْحَالِ . حَلَفَ لِيَأْتِيَنَّهُ إِنِ اسْتَطَاعَ فَهِيَ عَلَى اسْتِطَاعَةِ الصِّحَّةِ . حَلَفَ لَيَأْتِيَنَّهُ فَلَمْ يَأْتِهِ حَتَى مَاتَ حَنِثَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ ، [ فصل انعقاد اليمين ] فَصْلٌ ( حَلَفَ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ أَوْ لَيَطِيرَنَّ فِي الْهَوَاءِ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ وَحَنِثَ لِلْحَالِ ) ، وَقَالَ زُفَرُ : لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً فَصَارَ كَالْمُسْتَحِيلِ حَقِيقَةً . وَلَنَا أَنَّ الْيَمِينَ عَقْدٌ مِنَ الْعُقُودِ فَتَنْعَقِدُ إِذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَوْجُودًا أَوْ مُتَوَهَّمًا ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا وَلَا مُتَوَهَّمًا لَمْ يَنْعَقِدْ ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَيْعَ الْأَعْيَانِ الْمُبَاحَةِ مُنْعَقِدٌ ، لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَوْجُودٌ ، وَبَيْعَ الْمُدَبَّرِ مُنْعَقِدٌ لِأَنَّهُ مُتَوَهَّمٌ دُخُولُهُ تَحْتَ الْعَقْدِ بِالْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ فِعْلِ الْعَاقِدِ ، وَبَيْعَ الْحُرِّ لَيْسَ بِمُنْعَقِدٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْعَقْدِ وَلَا مُتَوَهَّمُ الدُّخُولِ فَكَذَلِكَ الْيَمِينُ يَنْعَقِدُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَقْدُورِ وَالْمَوْهُومِ ، وَلَا يَنْعَقِدُ عَلَى غَيْرِ الْمَقْدُورِ وَالْمَوْهُومِ ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مَقْدُورٌ مَوْهُومٌ يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَةِ قَادِرٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مَنْ صَعَدَ السَّمَاءَ وَالْمَلَائِكَةَ يَصْعَدُونَ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَيَنْزِلُونَ ، وَإِذَا كَانَ مُتَوَهَّمًا انْعَقَدَتِ الْيَمِينُ ثُمَّ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ حُكْمًا لِلْعَجْزِ الثَّابِتِ عَادَةً كَمَوْتِ الْحَالِفِ ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ تَخْرُجُ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ لِمَنْ يَتَأَمَّلُهَا . قَالَ : ( حَلَفَ لَيَأْتِيَّنَهُ إِنِ اسْتَطَاعَ فَهِيَ عَلَى اسْتِطَاعَةِ الصِّحَّةِ ) ، مَعْنَاهُ : إِذَا لَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَمْرٌ يَمْنَعُهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سُلْطَانٍ أَوْ نَحْوِهِ وَلَمْ يَأْتِهِ حَنِثَ ، لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ فِي الْعُرْفِ الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ حَيْثُ سَلَامَةِ الْآلَةِ وَعَدَمِ الْمَوَانِعِ ، وَإِنْ عَيَّنَ اسْتِطَاعَةَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ صُدِّقَ دِيَانَةً لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : تَصِحُّ قَضَاءً أَيْضًا لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ ، لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الْآلِيَّةَ تَقُومُ بِالِاسْتِطَاعَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ . قَالَ : ( حَلَفَ لَيَأْتِيَنَّهُ فَلَمْ يَأْتِهِ حَتَّى مَاتَ حَنِثَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ ) لِأَنَّ الْحِنْثَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْمَوْتِ إِذِ الْبِرُّ مَرْجُوٌّ قَبْلَهُ . حَلَفَ لَيَأْتِيَنَّهُ فَهُوَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ مَنْزِلَهُ أَوْ حَانُوتَهُ لَقِيَهُ أَوْ لَمْ يَلْقَهُ ، لِأَنَّ الْإِتْيَانَ الْوُصُولُ إِلَى مَكَانِهِ دُونَ مُلَاقَاتِهِ ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ : لَأُوَافِيَنَّكَ غَدًا فَهُوَ عَلَى اللِّقَاءِ ، فَإِنْ أَتَاهُ فَلَمْ يَلْقَهُ حَنِثَ . حَلَفَ لَا تَأْتِي زَوْجَتُهُ الْعُرْسَ فَذَهَبَتْ قَبْلَ الْعُرْسِ وَأَقَامَتْ حَتَّى مَضَى الْعُرْسُ لَا يَحْنَثُ ، لِأَنَّ الْعُرْسَ أَتَاهَا لَا أَتَتْهُ . وَعَنْ مُحَمَّدٍ : لَأَعُودَنَّ فُلْانًا غَدًا فَعَادَهُ وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بَرَّ ، وَكَذَلِكَ الْإِتْيَانُ إِذَا أَتَاهُ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ . حَلَفَ لَا تَذْهَبُ زَوْجَتُهُ إِلَى بَيْتِ وَالِدِهَا فَذَهَبَتْ إِلَى بَابِ الدَّارِ وَلَمْ تَدْخُلْ لَمْ يَحْنَثْ . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ : حَلَفَ لَا أُرَافِقُ فُلْانًا فَهُوَ عَلَى الِاجْتِمَاعِ فِي الطَّعَامِ أَوْ شَيْءٍ يَجْتَمِعَانِ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ مَقَامُهُمَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ ، وَإِنْ كَانَا فِي سَفِينَةِ وَطَعَامُهُمَا لَيْسَ بِمُجْتَمِعٍ وَلَا يَأْكُلَانِ عَلَى خِوَانٍ وَاحِدٍ فَلَيْسَ بِمُرَافَقَةٍ . وَعَنْ مُحَمَّدٍ : إِنْ كَانَ مَعَهُ فِي مَحْمَلٍ أَوْ كَانَ كِرَاهُمَا وَاحِدًا