تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
وَلَا غِيبَةَ لِظَالِمٍ يُؤْذِي النَّاسَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ ، وَلَا إِثْمَ فِي السَّعْيِ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ لِيَزْجُرَهُ وَلَا غِيبَةَ إِلَّا لِمَعْلُومِينَ ، فَلَوِ اغْتَابَ أَهْلَ قَرْيَةٍ فَلَيْسَ بِغِيبَةٍ ؛ وَإِذَا أَدَّى الْفَرَائِضَ وَأَحَبَّ أَنْ يَتَنَعَّمَ بِمَنْظَرٍ حَسَنٍ وَجَوَارٍ جَمِيلَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَمَنْ قَنِعَ بِأَدْنَى الْكِفَايَةِ ، وَصَرَفَ الْبَاقِي إِلَى مَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ أَوْلَى .
شرح
كَقَوْلِكَ لِرَجُلٍ كُلْ ، فَيَقُولُ : أَكَلْتُ يَعْنِي أَمْسَ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي قَصْدِهِ . وَقِيلَ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ كَذِبٌ فِي الظَّاهِرِ . قَالَ : ( وَلَا غِيبَةَ لِظَالِمٍ يُؤْذِي النَّاسَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ ) ؛ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « اذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ لِكَيْ تَحْذَرَهُ النَّاسُ » ( وَلَا إِثْمَ فِي السَّعْيِ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ لِيَزْجُرَهُ ) لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وْمَنْعِ الظُّلْمِ . قَالَ : ( وَلَا غِيبَةَ إِلَّا لِمَعْلُومِينَ ، فَلَوِ اغْتَابَ أَهْلَ قَرْيَةٍ فَلَيْسَ بِغِيبَةٍ ) لِأَنَّ الْمُرَادَ مَجْهُولٌ فَصَارَ كَالْقَذْفِ ، وَكَرِهَ مُحَمَّدٌ إِرْخَاءَ السِّتْرِ عَلَى الْبَيْتِ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَكَبُّرٍ وَفِيهِ زِينَةٌ ، وَلَا بَأْسَ بِسَتْرِ حِيطَانَ الْبَيْتِ بِاللُّبُودِ وَنَحْوِهِ لِدَفْعِ الْبَرْدِ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً ، وَيُكْرَهُ لِلزِّينَةِ وَقَدْ مَرَّ . قَالَ : ( وَإِذَا أَدَّى الْفَرَائِضَ وَأَحَبَّ أَنْ يَتَنَعَّمَ بِمَنْظَرٍ حَسَنٍ وَجِوَارٍ جَمِيلَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ ) فَإِنَّ « النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَسَرَّى مَارِيَةَ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ مَعَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْحَرَائِرِ » ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَوْلَدَ مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْحَرَائِرِ ؛ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } [ الأعراف : 32 ] الْآيَةَ . قَالَ : ( وَمَنْ قَنَعَ بِأَدْنَى الْكِفَايَةِ وَصَرَفَ الْبَاقِي إِلَى مَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ أَوْلَى ) لِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى . وَاعْلَمْ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَدْنَى مَا يَكْفِيهِ عَزِيمَةٌ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ مِنَ التَّنَعُّمِ وَنَيْلِ اللَّذَّاتِ رُخْصَةٌ ؛ وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ » ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ وَلَمْ أُبْعَثْ بِالرَّهْبَانِيَّةِ الصَّعْبَةِ » ؛ وَفِي الْحَدِيثِ : « لَا يَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعَةٍ : عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِي مَاذَا صَرَفَهُ ؟ » . وَالَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِخِصَالٍ : مِنْهَا التَّحَرُّزُ عَنِ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ؛ وَمِنْهَا الْمُحَافَظَةُ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ فِي أَوْقَاتِهَا بِوَاجِبَاتِهَا تَامَّةً كَمَا أَمَرَ بِهَا ؛ وَمِنْهَا التَّحَرُّزُ عَنِ السُّحْتِ وَاكْتِسَابِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ ؛ وَمِنْهَا التَّحَرُّزُ عَنْ ظُلْمِ كُلِّ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا الْأَمْرَ فِيهِ ، فَلَا نُضَيِّقُهُ عَلَيْنَا وَلَا عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَفِي الْحَدِيثِ : « أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَعَظَ النَّاسَ يَوْمًا وَذَكَرَ الْقِيَامَةَ ، فَرَقَّ لَهُ النَّاسُ وَبَكَوْا ، فَاجْتَمَعَ عَشَرَةٌ فِي بَيْتِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبُو ذَرٍّ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَالْمِقْدَادُ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَمَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ ،
الاختيار لتعليل المختار — صفحة 181 | عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي / محمود أبو دقيقة