تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
وَلَا يَقَعُ إِلَّا مِنْ مَالِكٍ قَادِرٍ عَلَى التَّبَرُّعَاتِ وَأَلْفَاظُهُ : صَرِيحٌ ، وَكِنَايَةٌ فَالصَّرِيحُ يَقَعُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : أَنْتَ حُرٌّ ، أَوْ مُحَرَّرٌ ، أَوْ عَتِيقٌ ، أَوْ مُعْتَقٌ ، وَأَعْتَقْتُكَ ، أَوْ حَرَّرْتُكَ ، وَهَذَا مَوْلَايَ ، أَوْ يَا مَوْلَايَ ، أَوْ هَذِهِ مَوْلَاتِي ، وَيَا حُرُّ ، وَيَا عَتِيقُ ، إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ اسْمًا لَهُ فَلَا يَعْتِقُ ، وَكَذَلِكَ إِضَافَةُ الْحُرِّيَّةِ إِلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْبَدَنِ .
شرح
مَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ قَبِيحٌ ، وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَصْحَابُهُ أَعْتَقُوا ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى شَرْعِيَّتِهِ ، وَأَمَّا النَّدْبِيَّةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَكُّ رَقَبَةٍ } [ البلد : 13 ] { أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ } [ البلد : 14 ] وَالنَّدْبِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ أَيْضًا . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَعْتَقَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ » « وَسَأَلَ أَعْرَابِيٌّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ ، فَقَالَ : لَئِنْ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ عَرَّضْتَ الْمَسْأَلَةَ ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ وَفُكَّ الرَّقَبَةَ " ، قَالَ : أَلَيْسَا وَاحِدًا ، قَالَ : " لَا ، عِتْقُ الرَّقَبَةِ أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا ، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا » . ثُمَّ الْعِتْقُ قَدْ يَقَعُ قُرْبَةً وَمُبَاحًا وَمَعْصِيَةً ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ عَنْ كَفَّارَةٍ فَهُوَ قُرْبَةٌ ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ أَوْ أَعْتَقَهُ لِفُلَانٍ فَهُوَ مُبَاحٌ وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ لِلصَّنَمِ أَوْ لِلشَّيْطَانِ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِالْعِتْقِ وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ بِهِ تَوَثُّقًا وَخَوْفًا مِنَ التَّجَاحُدِ . ( وَلَا يَقَعُ إِلَّا مِنْ مَالِكٍ قَادِرٍ عَلَى التَّبَرُّعَاتِ ) ، أَمَّا الْمِلْكُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ » ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَضَافَهُ إِلَى مِلْكِهِ كَمَا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ ، وَأَمَّا كَوْنُهُ قَادِرًا عَلَى التَّبَرُّعَاتِ فَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ . قَالَ : ( وَأَلْفَاظُهُ : صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ ، فَالصَّرِيحُ يَقَعُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ) كَمَا قُلْنَا فِي الطَّلَاقِ ، ( وَهُوَ قَوْلُهُ : أَنْتَ حُرٌّ ، أَوْ مُحَرَّرٌ ، أَوْ عَتِيقٌ ، أَوْ مُعْتَقٌ ) وَإِنْ نَوَى بِهِ الْخُلُوصَ وَالْقِدَمَ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً ، لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ ، ( وَ ) قَوْلُهُ ( أَعْتَقْتُكَ ، أَوْ حَرَّرْتُكَ ) صَرِيحٌ أَيْضًا ، ( وَ ) كَذَلِكَ ( هَذَا مَوْلَايَ ، أَوْ يَا مَوْلَايَ ، أَوْ هَذِهِ مَوْلَاتِي ) لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُعْتَقِ وَالْمُعْتِقِ فَإِذَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ ضَرُورَةً ، وَلَوْ نَوَى النُّصْرَةَ وَالْمَحَبَّةَ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِمَا بَيَّنَّا ، وَلَوْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ الْيَوْمَ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ عُتِقَ قَضَاءً لِأَنَّهُ مَتَى صَارَ حُرًّا فِي شَيْءٍ صَارَ حُرًّا فِي كُلِّ الْأَشْيَاءِ ، لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَا تَتَجَزَّأُ ( وَيَا حُرُّ ، وَيَا عَتِيقُ ) صَرِيحٌ أَيْضًا ( إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ اسْمًا لَهُ فَلَا يَعْتِقُ ) إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْإِنْشَاءَ . قَالَ : ( وَكَذَلِكَ إِضَافَةُ الْحُرِّيَّةِ إِلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْبَدَنِ ) وَهُوَ كَالطَّلَاقِ فِي التَّفْصِيلِ وَالْحُكْمِ وَالْخِلَافِ وَالْعِلَّةِ ، وَلَوْ أَعْتَقَ جُزْءًا شَائِعًا كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ عُتِقَ ذَلِكَ الْجُزْءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي الْبَاقِي ، وَعِنْدَهُمَا يُعْتَقُ كُلُّهُ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ ، وَلَوْ قَالَ : بَعْضُكَ حُرٌّ
الاختيار لتعليل المختار — صفحة 18 | عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي / محمود أبو دقيقة