تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا ؛ وَمَنْ حَمَلَ خَمْرًا لِذِمِّيٍّ طَابَ ( سم ) لَهُ الْأَجْرُ ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ السِّرْقِينِ ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ بِنَاءِ بُيُوتِ مَكَّةَ ، وَيُكْرَهُ بَيْعُ ( سم ) أَرْضِهَا ؛
شرح
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : الِاحْتِكَارُ فِي كُلِّ مَا يَضُرُّ بِالْعَامَّةِ نَظَرًا إِلَى أَصْلِ الضَّرَرِ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : الِاحْتِكَارُ فِي أَقْوَاتِ الْآدَمِيِّينَ كَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ ، وَأَقْوَاتِ الْبَهَائِمِ كَالْقَتِّ نَظَرًا إِلَى الضَّرَرِ الْمَقْصُودِ . وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الِاحْتِكَارِ ، قِيلَ أَقَلُّهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَمَا دُونَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِاحْتِكَارٍ لِعَدَمِ الضَّرَرِ بِالْمُدَّةِ الْقَصِيرَةِ ؛ وَقِيلَ أَقَلُّهُ شَهْرٌ لِأَنَّ مَا دُونَهُ عَاجِلٌ ، ثُمَّ قِيلَ يَأْثَمُ بِنَفْسِ الِاحْتِكَارِ وَإِنْ قَلَّتِ الْمُدَّةُ ، وَإِنَّمَا بَيَانُ الْمُدَّةِ لِبَيَانِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا . فَالْحَاصِلُ أَنَّ التِّجَارَةَ فِي الطَّعَامِ مَكْرُوهٌ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْمَقْتَ فِي الدُّنْيَا وَالْإِثْمَ فِي الْآخِرَةِ . قَالَ : ( وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا ) لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَقُومُ بِعَيْنِهِ بَلْ بَعْدَ تَغَيُّرِهِ . قَالَ : ( وَمِنْ حَمَلَ خَمْرًا لِذِمِّيٍّ طَابَ لَهُ الْأَجْرُ ) وَقَالَا : يُكْرَهُ لِأَنَّهُ أَعَانَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ . وَفِي الْحَدِيثِ : « لَعَنَ اللَّهُ فِي الْخَمْرِ عَشْرًا " وَعَدَّ مِنْهُمْ " حَامِلَهَا » وَلَهُ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ شُرْبُهَا ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ الْحَمْلِ وَهُوَ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ ، وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ الْحَمْلُ لِقَصْدِ الْمَعْصِيَةِ حَتَّى لَوْ حَمَلَهَا يُرِيقُهَا أَوْ لِيُخَلِّلُهَا جَازَ ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إِذَا آجَرَ بَيْتًا لِيَتَّخِذَهُ بَيْتَ نَارٍ أَوْ بَيْعَةً أَوْ كَنِيسَةً فِي السَّوَادِ . لَهُمَا أَنَّهُ أَعَانَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، وَلَهُ أَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبَيْتِ حَتَّى وَجَبَتِ الْأُجْرَةُ بِالتَّسْلِيمِ وَلَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ ، وَالْمَعْصِيَةُ فِعْلُ الْمُسْتَأْجِرِ وَهُوَ مُخْتَارٌ فِي ذَلِكَ . قَالَ : ( وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ السِّرْقِينِ ) لِأَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ يُلْقَى فِي الْأَرَاضِي طَلَبًا لِكَثْرَةِ الرِّيعِ ، وَيَجْرِي فِيهِ الشُّحُّ وَالضِّنَّةُ وَتُبْذَلُ الْأَعْوَاضُ فِي مُقَابَلَتِهِ فَكَانَ مَا لَا يَجُوزُ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ ، بِخِلَافِ الْعَذِرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إِلَّا بَعْدَ الْخَلْطِ ، وَبَعْدَ الْخَلْطِ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ ، وَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بَعْدَ الْخَلْطِ بِهَا كَزَيْتٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ . قَالَ : ( وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ بِنَاءِ بُيُوتِ مَكَّةَ وَيُكْرَهُ بَيْعُ أَرْضِهَا ) وَكَذَا الْإِجَارَةُ . وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ دُورِ مَكَّةَ وَفِيهَا الشُّفْعَةُ ، وَيُكْرَهُ إِجَارَتُهَا فِي الْمَوْسِمِ ، وَقَالَا : لَا بَأْسَ بِبَيْعِ أَرْضِهَا لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِهَا الِاخْتِصَاصَ الشَّرْعِيَّ فَيَجُوزُ كَالْبِنَاءِ . وَلَهُ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ : « مَكَّةُ حَرَامٌ وَبَيْعُ رِبَاعِهَا حَرَامٌ » ؛ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ : « مَكَّةُ مُبَاحٌ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلَا تُؤَاجَرُ بُيُوتُهَا » . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَكَانَتْ تُدْعَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ السَّوَائِبَ ، مَنْ شَاءَ سَكَنَ وَمَنِ اسْتَغْنَى أَسْكَنَ ، وَلِأَنَّهَا مِنَ الْحَرَمِ يَحْرُمُ صَيْدُهَا ، وَلَا يَحِلُّ دُخُولُهَا لِنَاسِكٍ إِلَّا بِإِحْرَامٍ فَيَحْرُمُ بَيْعُهَا كَالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْمَسْعَى ، وَإِنَّمَا جَازَ بَيْعُ الْبِنَاءِ لِأَنَّ الْبُقْعَةَ مُحَرَّمَةٌ ، وَقَفَهَا إِبْرَاهِيمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه ، وَالْبِنَاءُ مِلْكٌ لِمَنْ أَحْدَثَهُ فَيَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ ، وَالطِّينُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْأَرْضِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ