تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
فَمَنْ مَاتَ فَرَسُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ ، وَإِنْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ كَانَ مُهْرًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ مَرِيضًا لَا يَسْتَطِيعُ الْقِتَالَ عَلَيْهِ فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ ، وَمَنْ جَاوَزَ رَاجِلًا ثُمَّ اشْتَرَى فَرَسًا فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ ، وَتُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ أَخْمَاسًا : أَرْبَعَةٌ مِنْهَا لِلْغَانِمِينَ ، لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ ( سم ) ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ ،
شرح
لِيُقَسِّمَ بَيْنَهُمْ بِقَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ . ( فَمَنْ ) دَخَلَ فَارِسًا ثُمَّ ( مَاتَ فَرَسُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ ) وَكَذَا لَوْ أَخَذَهُ الْعَدُوُّ قَبْلَ حُصُولِ الْغَنِيمَةِ أَوْ بَعْدَهَا ، لِأَنَّ الْفَارِسَ مَنْ أَوْجَفَ عَلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ بِفَرَسٍ فَدَخَلَ فَارِسًا ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِرْهَابُ الْعَدُوِّ دُونَ الْقِتَالِ عَلَيْهَا ، حَتَّى إِنَّ مَنْ دَخَلَ فَارِسًا وَقَاتَلَ رَاجِلًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ فَارِسٍ ، وَإِرْهَابُ الْعَدُوِّ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالدُّخُولِ لِأَنَّ عِنْدَهُ يَنْتَشِرُ الْخَبَرُ وَيَصِلُ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ دَخَلَ كَذَا كَذَا فَارِسًا ، وَكَذَا كَذَا رَاجِلًا وَيَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الْقِتَالِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ وَتَعْبِئَةِ الْجُيُوشِ وَتَرْتِيبِ الصُّفُوفِ ، وَالْوَقْتُ حِينَئِذٍ يَضِيقُ عَنِ اعْتِبَارِ الْفَارِسِ مِنَ الرَّاجِلِ وَمَعْرِفَتِهِمْ وَكَتْبِهِمْ ، وَقَدْ تَقَعُ الْحَاجَةُ إِلَى الْقِتَالِ رَاجِلًا فِي الْمَضَايِقِ وَأَبْوَابِ الْحُصُونِ وَبَيْنَ الشَّجَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ وَهُوَ الْمُجَاوَزَةُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الدُّخُولَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ كَإِصَابَةِ الْعَدُوِّ بِقَوْلِهِ : { وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ } [ التوبة : 120 ] . قَالَ : ( وَإِنْ بَاعَهُ ) أَيْ فَرَسَهُ ( أَوْ وَهَبَهُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ كَانَ مُهْرًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ مَرِيضًا لَا يَسْتَطِيعُ الْقِتَالَ عَلَيْهِ فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ ) ؛ لِأَنَّ إِقْدَامَهُ عَلَى هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ وَمُجَاوَزَتَهُ بِفَرَسٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْقِتَالَ دَلِيلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ الْمُجَاوَزَةُ لِلْقِتَالِ فَارِسًا . وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لَهُ سَهْمُ فَارِسٍ اعْتِبَارًا لِلْمُجَاوَزَةِ وَصَارَ كَمَوْتِهِ ، وَلَوْ بَاعَهُ بَعْدَ الْقِتَالِ فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ . قَالَ : ( وَمَنْ جَاوَزَ رَاجِلًا ثُمَّ اشْتَرَى فَرَسًا فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ ) لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْمُجَاوَزَةِ لِمَا بَيَّنَّا . وَعَنِ الْحَسَنِ : إِذَا دَخَلَ وَهُوَ رَاجِلٌ فَاشْتَرَى فَرَسًا أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوِ اسْتَأْجَرَهُ أَوِ اسْتَعَارَهُ وَقَاتَلَ عَلَيْهِ فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ ، فَصَارَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي شُهُودِ الْوَقْعَةِ رِوَايَتَانِ ؛ وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْفَرَسِ حَالَةَ الْقِتَالِ أَكْثَرُ مِنْهَا حَالَةَ الْمُجَاوَزَةِ ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ سَهْمَ فَارِسٍ بِالدُّخُولِ ، فَلِأَنْ يَسْتَحِقَّهُ بِالْقِتَالِ أَوْلَى . وَإِذَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ فِي السُّفُنِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ فَهُمْ وَمَنْ فِي الْبَرِّ سَوَاءٌ ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِمْ حَالَةُ الْمُجَاوَزَةِ لِلْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ ؛ وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَسْهَمَ لِلْخَيْلِ بِخَيْبَرَ وَكَانَتْ حُصُونًا ، لَمْ يُقَاتِلُوا عَلَى الْخَيْلِ وَإِنَّمَا قَاتَلُوا رَجَّالَةً ، وَلِأَنَّ مَنْ فِي السُّفُنِ يَحْتَاجُ إِلَى الْخَيْلِ إِذَا وَصَلُوا جَزِيرَةً أَوْ سَاحِلًا فَصَارَ كَمَا فِي الْبَرِّ . قَالَ : ( وَتُقَسَّمُ الْغَنِيمَةُ أَخْمَاسًا : أَرْبَعَةٌ مِنْهَا لِلْغَانِمِينَ ، لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ ) ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } [ الأنفال : 41 ] الْآيَةَ ، ذَكَرَ الْخُمْسَ لِهَؤُلَاءِ ، بَقِيَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ لِلْغَانِمِينَ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : غَنِمْتُمْ ، فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ
الاختيار لتعليل المختار — صفحة 129 | عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي / محمود أبو دقيقة