وَإِنْ شَاءَ قَتَلَ الْأَسْرَى ، أَوِ اسْتَرَقَّهُمْ ، أَوْ تَرَكَهُمْ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يُفَادَوْنَ ( سم ) بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا بِالْمَالِ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ؛ وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ الْعَوْدَ وَمَعَهُ مَوَاشٍ يَعْجِزُ عَنْ نَقْلِهَا ذَبَحَهَا وَحَرَقَهَا ،
شرح
قَالَ : ( وَإِنْ شَاءَ قَتَلَ الْأَسْرَى ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَتَلَ ، وَفِيهِ تَقْلِيلُ مَادَّةِ الْكُفْرِ وَالْفَسَادِ ، وَقَتَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَالنَّضْرَ بْنَ الحارث بَعْدَ مَا حَصَلَ فِي يَدِهِ وَقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِمْ .
( أَوْ ) إِنْ شَاءَ ( اسْتَرَقَهُمْ ) لِأَنَّ فِيهِ دَفْعَ شَرِّهِمْ مَعَ وُفُورِ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ ( أَوْ ) إِنْ شَاءَ ( تَرَكَهُمْ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ ) لِمَا تَقَدَّمَ إِلَّا الْمُرْتَدِّينَ وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْجِزْيَةِ ، وَلَا يَجُوزُ رَدُّهُمْ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّ فِيهِ تَقْوِيَةً لِلْكَفَرَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَلَوْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْأَخْذِ لَا نَقْتُلُهُمْ لِانْدِفَاعِ الشَّرِّ ، وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْمِلْكِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْأَخْذِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبُ الْمِلْكِ .
قَالَ : ( وَلَا يُفَادَوْنَ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ ) وَقَالَا : يُفَادَوْنَ بِهِمْ لِأَنَّ فِي عَوْدِ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْنَا عَوْنًا لَنَا ، وَلِأَنَّ تَخْلِيصَ الْمُسْلِمِ أَوْلَى مِنْ قَتْلِ الْكُفَّارِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } [ محمد : 4 ] وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } [ التوبة : 5 ] ، وقَوْله تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ } [ البقرة : 193 ] ؛ فَيَجِبُ قَتْلُهُمْ وَذَلِكَ يَمْنَعُ رَدَّهُمْ ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ يَصِيرُ حَرْبًا عَلَيْنَا ، وَدَفْعُ شَرِّ حِرَابِهِمْ خَيْرٌ مِنْ تَخْلِيصِ الْمُسْلِمِ مِنْهُمْ ، لِأَنَّ كَوْنَ الْمُسْلِمِ فِي أَيْدِيهِمُ ابْتِلَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مُضَافٍ إِلَيْنَا ، وَإِعَانَتُهُمْ بِدَفْعِ الْأَسِيرِ إِلَيْهِمْ مُضَافٌ إِلَيْنَا . وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ : تَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِالْأُسَارَى قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَلَا تَجُوزُ بَعْدَهَا ؛ وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَجُوزُ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
قَالَ : ( وَلَا بِالْمَالِ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ) لِمَا بَيَّنَّا ، وَمُفَادَاةُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَوْمَ بَدْرٍ عَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ : { لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ } [ الأنفال : 68 ] الْآيَةَ ، فَجَلَسَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ يَبْكِيَانِ . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ لَمَا نَجَا مِنْهُ إِلَّا عُمَرُ » لِأَنَّهُ أَشَارَ بِقَتْلِهِمْ دُونَ الْفِدَاءِ ، وَالْقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ ؛ وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِلِاسْتِعْدَادِ لِلْجِهَادِ ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ
الْمَصْلَحَةُ
وَهِيَ فِيمَا ذَكَرْنَا . قَالَ مُحَمَّدٌ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يُفَادَى بِالشَّيْخِ الْفَانِي وَالْعَجُوزِ الْفَانِيَةِ بِالْمَالِ إِذَا كَانَ لَا يُرْجَى مِنْهُ الْوَلَدُ لِأَنَّهُ لَا مَعُونَةَ لَهُمْ فِيهِ ، بِخِلَافِ الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ لِأَنَّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ مَعُونَةً لَهُمْ ، وَلَا يَجُوزُ الْمَنُّ عَلَى الْأَسْرَى لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْغَانِمِينَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَإِنَّ حَقَّهُمْ ثَبَتَ فِيهِمْ بِالْأَسْرِ فَلَا يَبْطُلُ ، وَلِأَنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَقَتْلِهِمْ تَنْفِي ذَلِكَ .
قَالَ : ( وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ الْعَوْدَ وَمَعَهُ مَوَاشٍ يَعْجِزُ عَنْ نَقْلِهَا ذَبَحَهَا وَحَرَقَهَا ) لِكَيْلَا يَنْتَفِعُوا بِاللَّحْمِ وَلَا يَعْقِرُهَا لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ ، وَذَبْحُ الشَّاةِ جَائِزٌ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ ، وَكَسْرُ شَوْكَةِ الْأَعْدَاءِ غَرَضٌ صَحِيحٌ وَصَارَ كَقَطْعِ الشَّجَرِ وَتَخْرِيبِ الْبِنَاءِ ، أَمَّا الْحَرْقُ قَبْلَ الذَّبْحِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِمَا فِيهِ