تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
فَإِنْ وَادَعَهُمْ ثُمَّ رَأَى الْقِتَالَ أَصْلَحَ نَبَذَ إِلَى مَلِكِهِمْ ، وَإِنْ بَدَءُوا بِخِيَانَةٍ وَعَلِمَ مَلِكُهُمْ بِهَا قَاتَلَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يُوَادِعَهُمْ بِمَالٍ وَبِغَيْرِهِ ، وَمَا أَخَذُوهُ قَبْلَ مُحَاصَرَتِهِمْ فَهُوَ كَالْجِزْيَةِ وَبَعْدَهَا كَالْغَنِيمَةِ ، وَإِنْ دَفَعَ إِلَيْهِمْ مَالًا لِيُوَادِعُوهُ جَازَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ،
شرح
فَمِلْ إِلَيْهِمْ وَصَالِحْهُمْ ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ ، فَيَجُوزُ عِنْدَ وُجُودِ الْمَصْلَحَةِ دُونَ عَدَمِهَا ، وَلِأَنَّ عَلَيْهِمْ حِفْظَ أَنْفُسِهِمْ بِالْمُوَادَعَةِ ، أَلَا يَرَى « أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ » ، وَلِأَنَّ الْمُوَادَعَةَ إِذَا كَانَتْ مَصْلَحَةَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ جِهَادًا مَعْنًى ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الشَّرِّ وَقَدْ حَصَلَ ، وَتَجُوزُ الْمُوَادَعَةُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ ، لِأَنَّ تَحْقِيقَ الْمَصْلَحَةِ وَالْخَيْرِ لَا يَتَوَقَّتُ بِمُدَّةٍ دُونَ مُدَّةٍ . قَالَ : ( فَإِنْ وَادَعَهُمْ ، ثُمَّ رَأَى الْقِتَالَ أَصْلَحَ نَبَذَ إِلَى مَلِكِهِمْ ) وَقَاتَلَهُمْ ، قَالَ تَعَالَى : { فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ } [ الأنفال : 58 ] ، « وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبَذَ الْمُوَادَعَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ » ، وَلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمَصْلَحَةُ عَلَى مَا بَيَّنَّا ، فَإِذَا تَبَدَّلَتْ يَصِيرُ النَّبْذُ جِهَادًا ، وَتَرْكُهُ تَرْكَ الْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى ، وَلَا بُدَّ مِنَ النَّبْذِ تَحَرُّزًا عَنِ الْغَدْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، وَيَكْتَفِي بِعِلْمِ الْمَلِكِ لِأَنَّهُ صَاحِبُ أَمْرِهِمْ وَيُعْلِمُهُمْ بِذَلِكَ ، وَيَشْتَرِطُ مُدَّةً يُبَلِّغُ خَبَرَ النَّبْذِ إِلَى جَمَاعَتِهِمْ ، فَإِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ الْمَلِكُ إِعْلَامُهُمْ جَازَ مُقَاتَلَتُهُمْ وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُمْ ، لِأَنَّ التَّقْصِيرَ مِنْ مَلِكِهِمْ فَلَا يَكُونُ غَدْرًا ، وَلَوْ آمَنَهُمْ وَلَمْ يَنْزِلُوا مِنْ حَصْنِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ بَعْدَ الْإِعْلَامِ ، وَإِنْ نَزَلُوا إِلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَهُمْ عَلَى أَمَانِهِمْ حَتَّى يَعُودُوا إِلَى حِصْنِهِمْ لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا بِسَبَبِ الْأَمَانِ ، فَلَا يَزَالُونَ عَلَى حُكْمِهِ حَتَّى يَعُودُوا إِلَيْهِ . قَالَ : ( وَإِنْ بَدَءُوا بِخِيَانَةٍ وَعَلِمَ مَلِكُهُمْ بِهَا قَاتَلَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ ) لِأَنَّهُمْ قَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ لِمَا كَانَ بِاخْتِيَارِ مَلِكِهِمْ ؛ أَمَّا لَوْ دَخَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ دَارَنَا وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَلِكِ لَا يَكُونُ نَقْضًا فِي حَقِّ الْجَمِيعِ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ إِذَنِ الْمَلِكِ ، وَيَكُونُ نَقْضًا فِي حَقِّهِمْ خَاصَّةً فَيُقْتَلُونَ . قَالَ : ( وَيَجُوزُ أَنْ يُوَادِعُهُمْ بِمَالٍ وَبِغَيْرِهِ ) إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَهُمْ حَاجَةٌ إِلَى الْمَالِ لِمَا مَرَّ . ( وَمَا أَخَذُوهُ قَبْلَ مُحَاصَرَتِهِمْ ) بِأَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا ( فَهُوَ كَالْجِزْيَةِ ) لَا يُخَمَّسُ لِأَنَّهُ مَالُ أَهْلِ الْحَرْبِ حَصَلَ لَنَا بِغَيْرِ قِتَالٍ ( وَ ) مَا أَخَذُوهُ ( بَعْدَهَا ) أَيْ مُحَاصَرَتِهِمْ يُخَمَّسُ ( كَالْغَنِيمَةِ ) وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي لِأَنَّهُ حَصَلَ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ . قَالَ : ( وَإِنْ دَفْعَ إِلَيْهِمْ مَالًا لِيُوَادِعُوهُ جَازَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ) وَهُوَ خَوْفُ الْهَلَاكِ ، لِأَنَّ دَفْعَ الْهَلَاكِ وَاجِبٌ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ عَدُّوهُمْ فَأَخَذَ الْأَنْفُسَ وَالْأَمْوَالَ ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « اجْعَلْ مَالَكَ دُونَ نَفْسِكَ » وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةٌ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْحَاقِ الذِّلَّةِ بِالْمُسْلِمِينَ وَإِعْطَاءِ الدَّنِيئَةِ :
الاختيار لتعليل المختار — صفحة 121 | عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي / محمود أبو دقيقة