تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
فَإِنْ قَبِلُوهَا فَلَهُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا ، وَيَجِبُ أَنْ يَدْعُوَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ ، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِمَنْ بَلَغَتْهُ ، فَإِنِ أَبَوُا اسْتَعَانُوا بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَحَارَبُوهُمْ ، وَنَصَبُوا عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ ، وَأَفْسَدُوا زُرُوعَهُمْ وَأَشْجَارَهُمْ وَحَرَّقُوهُمْ وَرَمَوْهُمْ ، وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ ، وَيَقْصِدُونَ بِهِ الْكُفَّارَ ؛
شرح
مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوِ السَّيْفُ وَيُعَرِّفُهُمْ قَدْرَهَا لِتَنْقَطِعَ الْمُنَازَعَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْقِتَالَ يَنْتَهِي بِالْجِزْيَةِ ، قَالَ تَعَالَى : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ } [ التوبة : 29 ] أَيْ حَتَّى يَقْبَلُوهَا . قَالَ : ( فَإِنْ قَبِلُوهَا فَلَهُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا ) ؛ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « فَإِذَا قَبِلُوهَا فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ » وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : إِنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِتَكُونَ أَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا وَدِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا وَالْمُرَادُ بِالْبَذْلِ الْقَبُولُ إِجْمَاعًا . قَالَ : ( وَيَجِبُ أَنْ يَدْعُوا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ ) لِمَا تَقَدَّمَ وَلِيَعْلَمُوا مَا يُقَاتِلُهُمْ عَلَيْهِ فَرُبَّمَا أَجَابُوا فَنُكْفَى مُؤْنَةُ الْقِتَالِ ، فَإِنْ قَاتَلَهُمْ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ قِيلَ يَجُوزُ ، لِأَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الْإِسْلَامِ قَدِ انْتَشَرَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَامَ الشُّيُوعُ مَقَامَ الْبُلُوغِ ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ وَهُوَ آثِمٌ لِلنَّهْيِ أَوْ لِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ عَلَى مَا مَرَّ ، وَلِأَنَّ الشُّيُوعَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ لَا يُعْتَبَرُ شُيُوعًا فِي الْكُلِّ . قَالَ : ( وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِمَنْ بَلَغَتْهُ ) الدَّعْوَةُ أَيْضًا مُبَالَغَةً فِي الْإِنْذَارِ وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ ، « لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَازُونَ . » وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ : « أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَهِدَ إِلَيْهِ أَنْ يُغِيرَ عَلَى بَنِي الْأَصْفَرِ صَبَاحًا ثُمَّ يُحَرِّقَ نَخْلَهُمْ » ، وَالْغَارَةُ لَا تَكُونُ عَنْ دَعْوَةٍ . قَالَ : ( فَإِنْ أَبَوْا ) يَعْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْجِزْيَةِ ( اسْتَعَانُوا بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَحَارَبُوهُمْ ) لِمَا بَيَّنَّا ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ » ؛ وَلِأَنَّهُ أَعْذَرَ إِلَيْهِمْ فَأَقَامُوا عَلَى عَدَاوَتِهِمْ فَوَجَبَتْ مُنَاجَزَتُهُمْ ، وَأَنْ يُسْتَعَانَ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّهُ النَّاصِرُ لِأَوْلِيَائِهِ الْمُذِلُّ لِأَعْدَائِهِ فَيُسْتَعَانُ بِهِ . قَالَ : ( وَنَصَبُوا عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ ، وَأَفْسَدُوا زُرُوعَهُمْ وَأَشْجَارَهُمْ ، وَحَرَّقُوهُمْ وَرَمَوْهُمْ - وَإِنْ تَتَرَّسُوا - بِالْمُسْلِمِينَ وَيَقْصِدُونَ بِهِ الْكُفَّارَ ) ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ غَيْظًا وَكَبْتًا لِلْكُفَّارِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ ، وَقَدْ صَحَّ « أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ فَرَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَكَانَ فِيهِمُ الْمُسْلِمُونَ » ، وَلِأَنَّ بِلَادَهُمْ لَا تَخْلُو عَنِ الْمُسْلِمِينَ الْأَسْرَى وَالتُّجَّارِ وَالْأَطْفَالِ ، فَلَوِ امْتَنَعَ الْقِتَالُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ لَامْتَنَعَ أَصْلًا ، وَلَا يَقْصِدُونَ بِالرَّمْيِ الْمُسْلِمِينَ تَحَرُّزًا عَنْ قَتْلِهِمْ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ . « وَلَمَّا مَرَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرِيدُ الطَّائِفَ بَدَا لَهُ قَصْرُ عُمَرَ بْنِ مَالِكٍ النَّضَرِيِّ فَأَمَرَ بِتَحْرِيقِهِ ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْكُرُومِ أَمَرَ بِقَطْعِهَا » . قَالَ الزُّهْرِيُّ : « وَقَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ الْبُيُوتَ ؛ وَلَمَّا تَحَصَّنَ بَنُو النَّضِيرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَطْعِ نَخْلِهِمْ وَتَحْرِيقِهِ ، فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا كُنْتَ تَرْضَى بِالْفَسَادِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } [ الحشر : 5 ]