تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
كِتَابُ السَّرِقَةِ وَهِيَ أَخْذُ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ نِصَابًا مُحْرَزًا ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابًا مِلْكًا لِلْغَيْرِ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْخُفْيَةِ .
شرح
لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةَ قَمْعِ الصَّفْرَاءِ وَالتَّغَدِّي وَمَصَالِحَ كَثِيرَةً ، وَإِذَا زَالَ الْمُفْسِدُ الْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ حَلَّتْ كَمَا إِذَا تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا ، وَإِذَا تَخَلَّلَتْ طَهُرَ الْإِنَاءُ أَيْضًا ، لِأَنَّ جَمِيعَ مَا فِيهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْخَمْرِ يَتَخَلَّلُ إِلَّا مَا كَانَ مِنْهُ خَالِيًا عَنِ الْخَلِّ فَقِيلَ يَطْهُرُ تَبَعًا ، وَقِيلَ يُغْسَلُ بِالْخَلِّ لِيَطْهُرَ لِأَنَّهُ يَتَخَلَّلُ مِنْ سَاعَتِهِ ، وَكَذَا لَوْ صُبَّ مِنْهُ الْخَلُّ ، فَمَا خَلَا طَهُرَ مِنْ سَاعَتِهِ ؛ وَمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ مِنَ الْعَطَشِ وَلَمْ يَجِدْ إِلَّا خَمْرًا فَلَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهَا مَا يَأْمَنُ بِهِ مِنَ الْمَوْتِ ثُمَّ يَكُفَّ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، وَالْخَمْرُ مِثْلُهَا فِي التَّحْرِيمِ فَتَكُونُ مِثْلَهَا فِي الْإِبَاحَةِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ ، فَإِذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ زَالَتِ الضَّرُورَةُ وَهُوَ خَوْفُ الْهَلَاكِ عَادَ التَّحْرِيمُ . وَإِذَا وُجِدَتِ الْخَمْرُ فِي دَارِ إِنْسَانٍ وَعَلَيْهَا قَوْمٌ جَلَسُوا مَجَالِسَ مَنْ يَشْرَبُهَا وَلَمْ يَرَهُمْ أَحَدٌ يَشْرَبُونَهَا عُزِّرُوا ، لِأَنَّهُمُ ارْتَكَبُوا أَمْرًا مَحْظُورًا وَجَلَسُوا مَجْلِسًا مُنْكَرًا ، وَكَذَلِكَ مَنْ وُجِدَ مَعَهُ آنِيَةُ خَمْرٍ عُزِّرَ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا . [ كِتَابُ السَّرِقَةِ ] ِ ( وَهِيَ ) فِي اللُّغَةِ : أَخْذُ الشَّيْءِ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ وَالِاسْتِسْرَارِ بِغَيْرِ إِذَنِ الْمَالِكِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْخُوذُ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ ، وَمِنْهُ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ } [ الحجر : 18 ] وَسَرِقَةُ الشَّاعِرِ الْمَعْنَى وَسَرِقَةُ الصَّنْعَةِ ، وَنَحْوُهُ . وَفِي الشَّرْعِ : ( أَخْذُ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ نِصَابًا مُحْرَزًا ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابًا مِلْكًا لِلْغَيْرِ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْخُفْيَةِ ) وَالْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ مُرَاعًى فِيهِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً ، أَوِ ابْتِدَاءً فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَمَا إِذَا نَقَبَ الْبَيْتَ خُفْيَةً وَأَخَذَ الْمَالَ مُكَابَرَةً وَذَلِكَ يَكُونُ لَيْلًا ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَحَسُّوا بِهِ فَكَابَرَ وَأَخَذَ وَلَا غَوْثَ بِاللَّيْلِ فَيُقْطَعُ ؛ أَمَّا النَّهَارُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُمُ الْغَوْثُ فَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ ، فَيُشْتَرَطُ الْخُفْيَةُ لَيْلًا وَنَهَارًا فَهِيَ مُسَارَقَةُ عَيْنِ الْمَالِكِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ؛ وَفِي قَطْعِ الطَّرِيقِ وَهِيَ السَّرِقَةُ الْكُبْرَى مُسَارَقَةُ عَيْنِ الْإِمَامِ وَأَعْوَانِهِ لِأَنَّهُ الْمُتَصَدِّي لِحِفْظِ الطَّرِيقِ بِأَعْوَانِهِ ، لِأَنَّ الْأَمْوَالَ إِنَّمَا تَصِيرُ مَصُونَةً مُحْرَزَةً بِحِفْظِ الْإِمَامِ وَحِمَايَتِهِ . وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ قَوْله تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } [ المائدة : 38 ] وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : ( فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا ) ؛ وقَوْله تَعَالَى : { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا } [ المائدة : 33 ] الْآيَةَ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « مَنْ سَرَقَ قَطَعْنَاهُ » « وَرُفِعَ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَارِقٌ فَقَطَعَهُ »