تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
وَالنِّصَابُ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةً مِنَ النُّقْرَةِ .
شرح
وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْقَطْعِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ النِّصَابِ ، وَلِأَنَّ الْمَالَ مَحْبُوبٌ إِلَى النُّفُوسِ تَمِيلُ إِلَيْهِ الطِّبَاعُ الْبَشَرِيَّةُ خُصُوصًا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَرْدَعُهُ عَقْلٌ ، وَلَا يَمْنَعُهُ نَقْلٌ ، وَلَا تَزْجُرُهُمُ الدِّيَانَةُ ، وَلَا تَرُدُّهُمُ الْمُرُوءَةُ وَالْأَمَانَةُ ، فَلَوْلَا الزَّوَاجِرُ الشَّرْعِيَّةُ مِنَ الْقَطْعِ وَالصَّلْبِ وَنَحْوِهِمَا لَبَادَرُوا إِلَى أَخْذِ الْأَمْوَالِ مُكَابِرَةً عَلَى وَجْهِ الْمُجَاهِرَةِ ، أَوْ خُفْيَةً عَلَى وَجْهِ الِاسْتِسْرَارِ ، وَفِيهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى ، فَنَاسَبَ شُرُوعُ هَذِهِ الزَّوَاجِرِ فِي حَقِّ الْمُسْتَسِرِّ وَالْمُكَابِرِ فِي سَرِقَتَيِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى حَسْمًا لِبَابِ الْفَسَادِ وَإِصْلَاحًا لِأَحْوَالِ الْعِبَادِ ، وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ فِي الْقَطْعِ سَوَاءٌ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ لَا يَتَنَصَّفُ فَيَكْمُلُ فِي الْعَبْدِ صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ ؛ وَلَا بُدَّ مِنَ الْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ لِأَنَّ الْقَطْعَ شَرْعٌ زَاجِرًا عَنِ الْجِنَايَةِ ، وَلَا جِنَايَةَ مِنَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ . وَأَمَّا اشْتِرَاطُ النِّصَابِ فَلِمَا رُوِيَ أَنَّ الْيَدَ كَانَتْ لَا تُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ . وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ : « كَانَتِ الْيَدُ لَا تُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ » وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِ مَالٍ لَهُ خَطَرٌ لِتَتَحَقَّقَ الرَّغْبَةُ فِيهِ فَيَجِبُ الزَّجْرُ عَنْهُ ؛ أَمَّا الْحَقِيرُ لَا تَتَحَقَّقُ الرَّغْبَةُ فِيهِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الزَّجْرِ عَنْهُ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُحْرَزًا لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - « لَمْ يُوجِبِ الْقَطْعَ فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ » . أَيْ مَا يُحْرَسُ بِالْجَبَلِ لِعَدَمِ الْحِرْزِ . وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا ، لِأَنَّ بِالْإِذْنِ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حِرْزًا فِي حَقِّهِ ؛ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلْغَيْرِ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ ، لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ عَلَى مَا مَرَّ ، وَتَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ لِأَنَّ السَّرِقَةَ لَا تَكُونُ عَلَى الْجَهْرِ عَلَى مَا مَرَّ . قَالَ : ( وَالنِّصَابُ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ مِنَ النَّقْرَةِ ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ » وَمَا رُوِيَ أَنَّ الْقَطْعَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ إِلَّا فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ ؛ فَقَدْ نُقِلَ « عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ أُمِّ أَيْمَنَ قَالَا : كَانَتْ قِيمَةُ الْمِجَنِّ الَّذِي قُطِعَ فِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشَرَةَ دَرَاهِمَ » ، وَنُقِلَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ؛ وَالْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ أَوْلَى احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ ، وَفِي الْأَقَلِّ شُبْهَةُ عَدَمِ الْجِنَايَةِ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ : أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ تِبْرٍ مَا لَمْ تَكُنْ مَضْرُوبَةً . وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ . وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ : إِذَا سَرَقَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِمَّا يُرَوَّجُ بَيْنَ النَّاسِ قُطِعَ ، فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَ التِّبْرُ رَائِجًا بَيْنَ النَّاسِ قُطِعَ . وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَيْضًا : لَوْ سَرَقَ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا لَا تُرَوَّجُ ، فَإِنْ كَانَتْ تُسَاوِي عَشْرَةً رَائِجَةً قُطِعَ ، وَإِلَّا فَلَا . وَقَوْلُهُ أَوْ مَا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الدَّرَاهِمِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِالدَّرَاهِمِ وَإِنْ كَانَ ذَهَبًا . وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ مُحَمَّدٍ : لَوْ سَرَقَ نِصْفَ دِينَارٍ