تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مَحُوزًا مُفْرَغًا مُتَمَيِّزًا ، فَإِذَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ ،
شرح
الْعَبْدُ حُرًّا ، وَالْخَلُّ خَمْرًا ، أَوْ قَتَلَ عَبْدًا فَأَعْطَاهُ بِقِيمَتِهِ رَهْنًا ثُمَّ ظَهَرَ حَرًّا . قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ : يَهْلَكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، لِأَنَّ الْمَبِيعَ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِنَفْسِهِ ، وَالْقَبْضُ لَمْ يَتِمَّ فِي الْمُشَاعِ وَالْمَشْغُولِ ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْحُرِّ وَالْخَمْرِ كَمَا لَوْ رَهَنَهُ ابْتِدَاءً . وَنَصَّ مُحَمَّدٌ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ : أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ رَهْنٍ فَاسِدٍ مَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنَ الدَّيْنِ ، لِأَنَّ الرَّهْنَ انْعَقَدَ لِمُقَابَلَةِ الْمَالِ بِالْمَالِ حَقِيقَةً فِي الْبَعْضِ ، وَفِي الْبَعْضِ فِي ظَنِّهِمَا ، لَكِنَّهُ فَسَدَ لِنُقْصَانٍ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ الرَّهْنِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالْأَقَلِّ مِنْهُمَا ، كَالْمَقْبُوضِ فِي الْبَيْعِ الْكَاسِدِ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ فَكَذَا هَذَا ، إِلَّا أَنَّهُ يَضْمَنُ الْأَقَلَّ مِنْهُمَا هُنَا ؛ أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلَّ فَظَاهَرٌ ؛ وَأَمَّا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ أَقَلَّ فَلِأَنَّهُ إِنَّمَا قَبَضَهُ لِيَكُونَ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ ، وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ . قَالَ : ( وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مَحُوزًا مُفْرَغًا مُتَمَيِّزًا ) فَالْمَحُوزُ الْمَعْلُومُ الَّذِي يُمْكِنُ حِيَازَتُهُ ، وَالْمُفْرَغُ الَّذِي لَا يَكُونُ مَشْغُولًا بِحَقِّ الْغَيْرِ ، وَالْمُتَمَيِّزُ الْمَقْسُومُ الَّذِي قَدْ تَمَيَّزَ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَنْصِبَاءِ ، لِأَنَّ قَبْضَ الْجُزْءِ الشَّائِعِ لَا يُتَصَوَّرُ بِانْفِرَادِهِ ، وَقَبْضُ الْكُلِّ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ ، وَكَذَا كَوْنُهُ مَشْغُولًا بِحَقِّ الْغَيْرِ يُخِلُّ بِقَبْضِهِ وَحَبْسِهِ ، وَكَذَا الْمَجْهُولُ لَا يُمْكِنُ قَبْضُهُ ، وَمَقْصُودُ الرَّهْنِ وَهُوَ الِاسْتِيثَاقُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْحَبْسِ الدَّائِمِ ، وَالْحَبْسُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْقَبْضِ ، وَالْقَبْضُ لَا يُمْكِنُ بِدُونِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ ، فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِدُونِهَا . قَالَ : ( فَإِذَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ ) لِمَا رُوِيَ « أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ فَرَسًا لَهُ بِدَيْنٍ فَنَفَقَ . فَاخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْمُرْتَهِنِ : " ذَهَبَ حَقُّكَ " وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " إِذَا عَمِيَ الرَّهْنُ فَهُوَ بِمَا فِيهِ » قَالُوا : مَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِذَا هَلَكَ فَاشْتَبَهَتْ قِيمَتُهُ ؛ وَقَدْ نَقَلَ أَصْحَابُنَا إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي كَيْفِيَّةِ الضَّمَانِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ حَبْسَهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُ الِاسْتِيفَاءُ لِيَتَوَسَّلَ بِهِ إِلَى حَقِّهِ مَخَافَةَ الْجُحُودِ ، وَقَدْ تَأَكَّدَ هَذَا الِاسْتِيفَاءُ بِالْهَلَاكِ ، فَلَوْ وَفَّاهُ ثَانِيًا يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْمُطَالَبَةُ بِحَقِّهِ إِلَّا أَنْ يَنْقُضَ الْقَبْضَ وَالْحَبْسَ وَيَرُدَّهُ إِلَى الرَّاهِنِ ، وَأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهُ فَفَاتَ شَرْطُ الْمُطَالَبَةِ فَبَطَلَتْ ؛ وَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ أَمَانَةٌ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ ، وَتَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ ، هُوَ لِصَاحِبِهِ ، لَهُ غُنْمُهُ ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ » لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَصِيرُ الرَّهْنُ لِلْمُرْتَهِنِ بِدَيْنِهِ وَلَا يَحْبِسُهُ بِحَيْثُ لَا يَنْفَكُّ ، هَذَا مَعْنَاهُ ، وَيَشْهَدُ لَهُ بَيْتُ ابْنِ زُهَيْرٍ : وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ . . . يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غُلِقَا أَيْ مَحْبُوسًا لَا فِكَاكَ لَهُ ، وَكَذَا كَانَتْ عَادَتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَلِكَ قَلْعًا لَهُمْ عَنِ الْعَوَائِدِ الْجَاهِلِيَّةِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَمَلُّكِ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَقَوْلُهُ : « لَهُ غُنْمُهُ ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ » أَيْ إِذَا بِيعَ فَفَضَلَ مِنَ الثَّمَنِ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ ، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ ، أَوْ لَهُ غُنْمُهُ