عَلَى التَّعْلِيمِ وَالْإِمَامَةِ فِي زَمَانِنَا ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ، وَلَا تَجُوزُ عَلَى الْمَعَاصِي كَالْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ وَنَحْوِهِمَا ، وَلَا عَلَى عَسْبِ التَّيْسِ ، وَتَجُوزُ أُجْرَةُ الْحَجَّامِ وَالْحَمَّامِ ؛ وَمَنِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا طَعَامًا بِقَفِيزٍ مِنْهُ فَهُوَ فَاسِدٌ ، وَلَوْ قَالَ : أَمَرْتُكَ أَنْ تَخِيطَهُ قَبَاءً ، وَقَالَ الْخَيَّاطُ قَمِيصًا ، فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ وَيُحَلَّفُ ، فَإِذَا حَلَفَ فَالْخَيَّاطَ ضَامِنٌ ، وَلَوْ قَالَ : خِطْتَهُ بِغَيْرِ أَجْرٍ ، وَقَالَ الصَّانِعُ بِأَجْرٍ ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْعَمَلِ يَتَحَالَفَانِ وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُسْتَأْجِرِ ،
شرح
عَلَى التَّعْلِيمِ وَالْإِمَامَةِ فِي زَمَانِنَا ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى )
لِحَاجَةِ النَّاسِ
إِلَيْهِ وَظُهُورِ التَّوَانِي فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ ، وَكَسَلِ النَّاسِ فِي الِاحْتِسَابِ ، فَلَوِ امْتَنَعَ الْجَوَازُ يَضِيعُ حِفْظُ الْقُرْآنِ ؛ وَلَوِ اسْتَأْجَرَ مُصْحَفًا أَوْ كِتَابًا لِيَقْرَأَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ وَلَا أَجْرَ لَهُ ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ وَالنَّظَرَ مَنْفَعَةٌ تَحْدُثُ مِنَ الْقَارِئِ لَا مِنَ الْكِتَابِ ، فَصَارَ كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ شَيْئًا لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ لَا يَجُوزُ .
قَالَ : ( وَلَا تَجُوزُ عَلَى الْمَعَاصِي كَالْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ وَنَحْوِهِمَا ) لِأَنَّهَا لَا تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ فَلَا تَجُوزُ .
قَالَ : ( وَلَا عَلَى عَسْبِ التَّيْسِ ) لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ التَّيْسَ لِيَنْزُوَ عَلَى غَنَمِهِ ، وَيَدْخُلَ فِيهِ كُلُّ فَحْلٍ كَالْحِصَانِ وَالْحِمَارِ وَغَيْرِهِمَا . أَمَّا النَّزْوُ بِغَيْرِ أَجْرٍ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَأَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ حَرَامٌ .
قَالَ : ( وَتَجُوزُ أُجْرَةُ الْحَجَّامِ ) فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - « احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ » وَالنَّهْيُ الْوَارِدُ فِيهِ لِلْإِشْفَاقِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّنَاءَةِ وَبِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ .
قَالَ : ( وَالْحَمَّامِ ) لِلتَّعَامُلِ وَلَا اعْتِبَارَ لِلْجَهَالَةِ مَعَ اصْطِلَاحِ الْمُسْلِمِينَ .
قَالَ : ( وَمَنِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا طَعَامًا بِقَفِيزٍ مِنْهُ فَهُوَ فَاسِدٌ ) لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَجْرَ بَعْضَ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ فَصَارَ كَقَفِيزِ الطَّحَّانِ ، وَقَدْ « نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ » ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ ثَوْرًا أَوْ رَحًى لِيَطْحَنَ لَهُ حِنْطَةً بِقَفِيزٍ مِنْهَا . وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ تُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ : مِنْهَا إِذَا دَفَعَهُ إِلَى حَائِكٍ غَزْلًا لِيَنْسِجَهُ بِالنِّصْفِ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ عَجَزَ عَنِ الْأُجْرَةِ وَهُوَ بَعْضُ الْمَنْسُوجِ وَالْمَطْحُونِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ الْأَجْرِ فَلَا يَكُونُ قَادِرًا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ .
قَالَ : ( وَلَوْ قَالَ أَمَرْتُكَ أَنْ تَخِيطَهُ قَبَاءً ، وَقَالَ الْخَيَّاطُ قَمِيصًا فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ ) وَكَذَا إِذَا اخْتَلَفَا فِي صَبْغِ الثَّوْبِ أَصْفَرُ أَوْ أَحْمَرُ ، أَوْ بِزَعْفَرَانٍ أَوْ بِعُصْفُرٍ ؛ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْخَيَّاطَ وَالصَّبَّاغَ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ وَهُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ ، ثُمَّ ادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ وَصَاحَبُهُ يُنْكِرُ ، وَلِأَنَّ الْإِذْنَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الثَّوْبِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ .
( وَيُحَلَّفُ ) لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَزِمَهُ فَيُحَلَّفُ لِاحْتِمَالِ النُّكُولِ ( فَإِذَا حَلَفَ فَالْخَيَّاطُ ضَامِنٌ ) مَعْنَاهُ : إِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ الثَّوْبَ ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ ، أَوْ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِي رِوَايَةٍ .
( وَلَوْ قَالَ خِطْتَهُ بِغَيْرِ أَجْرٍ ، وَقَالَ الصَّانِعُ بِأَجْرٍ ) فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْعَمَلِ يَتَحَالَفَانِ وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُسْتَأْجِرِ .
( لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا وَالْآخَرُ يُنْكِرُهُ ) لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَدَّعِي هِبَةَ الْعَمَلِ ، وَالْآخَرُ يَدَّعِي بَيْعَهُ .