تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ ، وَتَجُوزُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ ، وَتَنْعَقِدُ بِالنَّفْسِ بِقَوْلِهِ : تَكَفَّلْتُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِرَقَبَتِهِ ، وَبِكُلِّ عُضْوٍ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْبَدَنِ ، وَبِالْجُزْءِ الشَّائِعِ كَالْخُمْسِ وَالْعُشْرِ ، وَبِقَوْلِهِ : ضَمِنْتُهُ ، وَبِقَوْلِهِ : عَلَيَّ ، وَإِلَيَّ ، وَأَنَا : زَعِيمٌ ، أَوْ قَبِيلٌ . وَالْوَاجِبُ إِحْضَارُهُ وَتَسْلِيمُهُ فِي مَكَانٍ يَقْدِرُ عَلَى مُحَاكَمَتِهِ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَرِئَ ، وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي مِصْرٍ آخَرَ بَرِئَ ، فَإِنْ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَهُ إِحْضَارُهُ فِيهِ إِذَا طَلَبَهُ مِنْهُ ، فَإِنْ أَحْضَرَهُ وَإِلَّا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ ،
شرح
الْأَصِيلِ فِي حَقِّ الْمُطَالَبَةِ دُونَ أَصْلِ الدَّيْنِ لِمَا مَرَّ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ لُزُومِ الْمُطَالَبَةِ عَلَى الْكَفِيلِ وُجُوبُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ مُطَالَبٌ بِالثَّمَنِ وَهُوَ عَلَى الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَوْ أَبْرَأَ الْبَائِعُ الْمُوَكِّلَ عَنِ الثَّمَنِ جَازَ وَسَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ عَنِ الْوَكِيلِ . قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ ) لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَكَانَ تَبَرُّعًا . ( وَتَجُوزُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ ) لِمَا رُوِّينَا وَذَكَرْنَا مِنَ الْحَاجَةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّسْلِيمِ . أَمَّا الْمَالُ فَلِوِلَايَتِهِ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ . وَأَمَّا النَّفْسُ بِأَنْ يَعْلَمَ الطَّالِبُ بِمَكَانِهِ وَيُخَلِّيَ بَيْنَهُمَا وَبِأَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي فَيَصِحُّ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ . قَالَ : ( وَتَنْعَقِدُ بِالنَّفْسِ بِقَوْلِهِ تَكَفَّلْتُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِرَقَبَتِهِ وَبِكُلِّ عُضْوٍ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْبَدَنِ ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ . ( وَبِالْجُزْءِ الشَّائِعِ كَالْخُمُسِ وَالْعُشْرِ ) لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَتَجَزَّأُ ، فَذِكْرُ الْبَعْضِ ذِكْرُ الْكُلِّ . ( وَبِقَوْلِهِ ضَمِنْتُهُ ) لِأَنَّهُ مَعْنَى الْكَفَالَةِ . ( وَبِقَوْلِهِ : عَلَيَّ ، وَإِلَيَّ ) لِأَنَّهُمَا بِمَعْنَى الْإِيجَابِ ؛ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « مَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ عِيَالًا فَإِلَيَّ » أَيْ عَلَيَّ ؛ « وَمَاتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دِينَارَانِ فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : هُمَا عَلَيَّ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ » . ( وَ ) بِقَوْلِهِ . ( أَنَا زَعِيمٌ ) لِلنَّصِّ . ( أَوْ قَبِيلٌ ) لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْكَفِيلِ لُغَةً وَعُرْفًا ، وَكَذَا قَوْلُهُ : أَنَا ضَمِينٌ ، أَوْ لَكَ عِنْدِي هَذَا الرَّجُلُ ، أَوْ عَلَيَّ أَنْ أُوَفِّيَكَ بِهِ ، أَوْ أَنْ أَلْقَاكَ بِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي مَعْنَى الْكَفَالَةِ . قَالَ : ( وَالْوَاجِبُ إِحْضَارُهُ وَتَسْلِيمُهُ فِي مَكَانٍ يَقْدِرُ عَلَى مُحَاكَمَتِهِ ) لِيُفِيدَ تَسْلِيمَهُ . ( فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَرِئَ ) لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا الْتَزَمَهُ وَحَصَلَ مَقْصُودُ الْمَكْفُولِ لَهُ ؛ وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي بَرِّيَّةٍ لَا يَبْرَأُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُحَاكَمَتِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي السَّوَادِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاكِمَ بِهَا ؛ وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي الْمِصْرِ أَوْ فِي السُّوقِ بَرِئَ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِأَعْوَانِ الْقَاضِي وَالْمُسْلِمِينَ ، وَقِيلَ لَا يَبْرَأُ فِي زَمَانِنَا لِمُعَاوَنَتِهِمْ عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُ عَادَةً . ( وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي مِصْرٍ آخَرَ بَرِئَ ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُخَاصَمَتِهِ فِيهِ ، وَقَالَ : لَا يَبْرَأُ ؛ لِأَنَّ شُهُودَهُ قَدْ لَا يَكُونُونَ فِيهِ ، قُلْنَا : وَقَدْ يَكُونُونَ فِيهِ . قَالَ : ( فَإِنْ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَهُ إِحْضَارُهُ فِيهِ إِذَا طَلَبَهُ مِنْهُ ) إِلْزَامًا لَهُ بِمَا الْتَزَمَ . ( فَإِنْ أَحْضَرَهُ وَإِلَّا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ ) لِأَنَّهُ صَارَ ظَالِمًا بِمَنْعِهِ الْحَقَّ ، وَقِيلَ لَا يُحْبَسُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ مَا ظَهَرَ ظُلْمُهُ ؛ وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ حَاضِرًا
الاختيار لتعليل المختار — صفحة 167 | عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي / محمود أبو دقيقة