تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
وَمَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ ، وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ بَاطِلٌ ، إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ . وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا وَمَاتَ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنَ الْإِقْرَارِ وَالْمِيرَاثِ ،
شرح
وَمَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ ) وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْضِي دَيْنَ الصِّحَّةِ وَالدَّيْنَ الْمَعْرُوفَ السَّبَبِ ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ قُضِيَ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِلْوَرَثَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ بِمَالِهِ بِأَوَّلِ مَرَضِهِ حَتَّى يَنْتَقِضَ تَبَرُّعُهُ لِحَقِّهِمْ ، فَفِي إِقْرَارِهِ لِغَيْرِهِمْ إِبْطَالُ حَقِّهِمْ فَلَا يَصِحُّ ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقِرَّ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ فَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، وَمَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِمُعَايَنَةِ الْقَاضِي حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ فَكَانَ أَوْلَى ، وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ لِأَنَّهُ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَكَذَا الدُّيُونُ الْمَعْرُوفَةُ السَّبَبِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهَا ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ دُونَ الْبَعْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْبَاقِينَ ، فَإِذَا قُضِيَتْ دُيُونُ الصِّحَّةِ وَالْمَعْرُوفَةِ الْأَسْبَابِ يَقْضِي مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ ؛ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنُ الصِّحَّةِ ، وَكَانَ أَحَقَّ مِنَ الْوَرَثَةِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ ؛ لَأَنَّ مَالَهُ إِنَّمَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْوَرَثَةِ عِنْدَ فَرَاغِ حَاجَتِهِ ، وَفَرَاغُ ذِمَّتِهِ مِنْ أَهَمِّ الْحَوَائِجِ . قَالَ : ( وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ بَاطِلٌ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ ) . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَلَا إِقْرَارَ بِدَيْنٍ » ، وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ، فَإِقْرَارُهُ لِبَعْضِهِمْ إِبْطَالٌ لِحَقِّ الْبَاقِينَ ، وَفِيهِ إِيقَاعُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيثَارِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ ، وَأَنَّهُ مَنْشَأٌ لِلْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ ، وَقَضِيَّةُ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ أَكْبَرُ شَاهِدٍ ، وَكَذَا لَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ إِنْ قَبَضَ مِنْهُ دَيْنَهُ أَوْ رَجَعَ فِيمَا وَهَبَهُ مِنْهُ فِي مَرَضِهِ ، أَوْ قَبَضَ مَا غَصَبَهُ مِنْهُ أَوْ رَهَنَهُ عِنْدَهُ ، أَوِ اسْتَرَدَّ الْمَبِيعَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لِمَا بَيَّنَّا ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِعَبْدِ وَارِثِهِ وَلَا مُكَاتِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ لِمَوْلَاهُ مِلْكًا أَوْ حَقًّا ، وَلَوْ صَدَرَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْهُ لِلْوَارِثِ وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ بَرَأَ ثُمَّ مَاتَ جَازَ ذَلِكَ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَرَضَ الْمَوْتِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ ؛ وَلَوْ أَقَرَّ لِأَخِيهِ وَهُوَ وَارِثُهُ ثُمَّ جَاءَهُ ابْنٌ وَمَاتَ صَحَّ الْإِقْرَارُ لِأَخِيهِ ، وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ وَلَهُ ابْنٌ فَمَاتَ الِابْنُ ثُمَّ مَاتَ الْمُقِرُّ بِطَلَ الْإِقْرَارُ لِلْأَخِ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَارِثَ مَنْ يَرِثُهُ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَبَيَّنُ بِالْمَوْتِ ، فَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَمْ يَرِثْ فَصَحَّ ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَرِثَ فَلَمْ يَصِحَّ . ( وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا وَمَاتَ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنَ الْإِقْرَارِ وَالْمِيرَاثِ ) وَكَذَا لَوْ تَصَادَقَا عَلَى الطَّلَاقِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا أَوْ أَوْصَى ، وَقَالَا لَهَا فِي الثَّانِيَةِ مَا أَقَرَّ لَهَا أَوْ أَوْصَى ؛ وَقَالَ زُفَرُ فِي الْأُولَى كَذَلِكَ أَيْضًا ؛ لِكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ . وَلَهُمَا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ بِالطَّلَاقِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيَصِحُّ لَهَا الْإِقْرَارُ وَالْوَصِيَّةُ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْعِدَّةِ دَلِيلُ التُّهْمَةِ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التُّهْمَةَ قَائِمَةٌ فَإِنَّهَا تَخْتَارُ الْفُرْقَةَ لِيَنْفَتِحَ عَلَيْهَا بَابُ الْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ فَيَصِلُ إِلَيْهَا أَكْثَرُ مِنْ مِيرَاثِهَا وَيَصْطَلِحَانِ عَلَى الْبَيْنُونَةِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ وَالْإِقْرَارُ أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا جَاءَتِ التُّهْمَةُ ،
الاختيار لتعليل المختار — صفحة 137 | عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي / محمود أبو دقيقة