الاختيار لتعليل المختار — صفحة 139
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ مَنْ تَعَيَّنَ لِتَحَمُّلِهَا لَا يَسَعُهُ أَنْ يَمْتَنِعَ إِذَا طُولِبَ ، فَإِذَا تَحَمَّلَهَا وَطُلِبَ لِأَدَائِهَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَقُومَ الْحَقُّ بِغَيْرِهِ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْحُدُودِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالسَّتْرِ ، وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ ، وَيَقُولُ فِي السَّرِقَةِ : [ كتاب الشهادات ] ِ أَصْلُ الشَّهَادَةِ الْحُضُورُ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ » أَيْ حَضَرَهَا ، وَيُقَالُ : فُلَانٌ شَهِدَ الْحَرْبَ وَقَضِيَّةَ كَذَا إِذَا حَضَرَهَا ، وَقَالَ : إِذَا عَلِمُوا أَنِّي شَهِدْتُ وَغَابُوا . أَيْ حَضَرْتُ وَلَمْ يَحْضُرُوا ، وَالشَّهِيدُ : الَّذِي حَضَرَهُ الْوَفَاةُ فِي الْغَزْوِ حَتَّى لَوْ مَضَى عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ وَهُوَ حَيٌّ لَا يُسَمَّى شَهِيدًا ؛ لَأَنَّ الْوَفَاةَ لَمْ تَحْضُرْهُ فِي الْغَزْوِ . وَفِي الشَّرْعِ : الْإِخْبَارُ عَنْ أَمْرٍ حَضَرَهُ الشُّهُودُ وَشَاهَدُوهُ ، إِمَّا مُعَايَنَةً كَالْأَفْعَالِ نَحْوِ الْقَتْلِ وَالزِّنَا ، أَوْ سَمَاعًا كَالْعُقُودِ وَالْإِقْرَارَاتِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا بِمَا حَضَرَهُ وَعَلِمَهُ عِيَانًا أَوْ سَمَاعًا ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ حَتَّى يَذْكُرَ الْحَادِثَةَ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « إِنْ عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ » وَهِيَ حُجَّةٌ مُظْهِرَةٌ لِلْحَقِّ مَشْرُوعَةٌ ، قَالَ تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } [ البقرة : 282 ] وَقَالَ : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } [ الطلاق : 2 ] ؛ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ » ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي » وَالْبَيِّنَةُ : الشَّهَادَةُ بِالْإِجْمَاعِ ؛ وَلِأَنَّ فِيهَا إِحْيَاءَ حُقُوقِ النَّاسِ ، وَصَوْنَ الْعُقُودِ عَنِ التَّجَاحُدِ ، وَحِفْظَ الْأَمْوَالِ عَلَى أَرْبَابِهَا ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « أَكْرِمُوا شُهُودَكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَخْرِجُ بِهُمُ الْحُقُوقَ » . قَالَ : ( مَنْ تَعَيَّنَ لِتَحَمُّلِهَا لَا يَسَعُهُ أَنْ يَمْتَنِعَ إِذَا طُولِبَ ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِ الْحُقُوقِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَهُوَ مُخَيَّرٌ ، وَلَا بَأْسَ بِالتَّحَرُّزِ عَنِ التَّحَمُّلِ . ( فَإِذَا تَحَمَّلَهَا وَطُلِبَ لِأَدَائِهَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا } [ البقرة : 282 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } [ البقرة : 283 ] وَلِأَنَّهُ إِضَاعَةٌ لِحُقُوقِ النَّاسِ فَيَحْرُمُ الِامْتِنَاعُ . ( إِلَّا أَنْ يَقُومَ الْحَقُّ بِغَيْرِهِ ) بِأَنْ يَكُونَ فِي الصَّكِّ سِوَاهُ مَنْ يَقُومُ الْحَقُّ بِهِ فَيَجُوزُ لَهُ الِامْتِنَاعُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَضِيعُ بِامْتِنَاعِهِ ؛ وَلِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ ، وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُ . قَالَ : ( وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْحُدُودِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالسَّتْرِ ) لِأَنَّ إِقَامَةَ الْحُدُودِ حِسْبَةٌ ، وَالسَّتْرُ عَلَى الْمُسْلِمِ حِسْبَةٌ . ( وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ » ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَّنَ مَاعَزًا الرُّجُوعَ وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ سَتْرًا عَلَيْهِ ؛ لِئَلَّا يُرْجَمَ وَيُشْتَهَرَ ، وَكَفَى بِهِ قُدْوَةً ؛ وَكَذَلِكَ نُقِلَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ . قَالَ : ( وَيَقُولُ فِي السَّرِقَةِ :