وَخَوْفُ الْمُكْرَهِ عَاجِلًا ، وَامْتِنَاعُهُ مِنَ الْفِعْلِ قَبْلَ الْإِكْرَاهِ لِحَقِّهِ أَوْ لِحَقِّ آدَمِيٍّ أَوْ لِحَقِّ الشَّرْعِ ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُكْرَهُ بِهِ نَفْسًا أَوْ عُضْوًا أَوْ مُوجِبًا غَمًّا يَنْعَدِمُ بِهِ الرِّضَا ، فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ بِقَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ حَبْسٍ فَفَعَلَ ثُمَّ زَالَ الْإِكْرَاهُ ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهُ ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ ، وَإِنْ قَبَضَ الْعِوَضَ طَوْعًا فَهُوَ إِجَازَةٌ ، وَإِنْ قَبَضَهُ مُكْرَهًا فَلَيْسَ بِإِجَازَةٍ ، وَيَرُدُّهُ إِنْ كَانَ قَائِمًا ، فَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي
شرح
وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا مِنْ سُلْطَانٍ ، فَاخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ .
( وَ ) لَا بُدَّ مِنْ . ( خَوْفِ الْمُكْرَهِ عَاجِلًا ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخَفْ فِعْلَهُ يَكُونُ رَاضِيًا فَلَا يَكُونُ مُكْرَهًا ; لَأَنَّ الْإِكْرَاهَ مَا يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِ فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ أَوْ يُفْسِدُ عَلَيْهِ اخْتِيَارَهُ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الْقَصْدِ ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ فَاخْتَارَ أَحَدَهُمَا ، فَإِذَا فَعَلَ بِرِضَاهُ لَا يَكُونُ مُكْرَهًا .
( وَ ) لَا بُدَّ مِنْ ( امْتِنَاعِهِ مِنَ الْفِعْلِ قَبْلَ الْإِكْرَاهِ ) لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا عَلَى فِعْلٍ يَمْتَنِعُ عَنْهُ الْمُكْرَهُ . أَمَّا إِذَا كَانَ بِفِعْلِهِ فَلَا إِكْرَاهَ وَيَكُونُ الِامْتِنَاعُ . ( لِحَقِّهِ ) كَبَيْعِ مَالِهِ وَالشِّرَاءِ ، وَإِعْتَاقِ عَبْدِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . ( أَوْ لِحَقِّ آدَمِيٍّ ) كَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ وَنَحْوِهِ . ( أَوْ لِحَقِّ الشَّرْعِ ) كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهَا ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِأَحَدِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ .
( وَ ) لَا بُدَّ ( أَنْ يَكُونَ الْمُكْرَهُ بِهِ نَفْسًا أَوْ عُضْوًا ) كَالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ . ( أَوْ مُوجِبًا غَمًّا يَنْعَدِمُ بِهِ الرِّضَا ) كَالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ ; وَأَحْكَامُهُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، فَتَارَةً يَلْزَمُهُ الْإِقْدَامُ عَلَى مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ ، وَتَارَةً يُبَاحُ لَهُ ، وَتَارَةً يُرَخَّصُ ، وَتَارَةً يَحْرُمُ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ : ( فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ بِقَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ حَبْسٍ فَفَعَلَ ثُمَّ زَالَ الْإِكْرَاهُ ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهُ ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ ) لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِالْعَقْدِ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ ، إِلَّا أَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَ الْحِلِّ وَهُوَ التَّرَاضِي فَصَارَ كَغَيْرِهِ مِنَ الشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ ، حَتَّى لَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا لَا يَقْبَلُ النَّقْضَ كَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِ يَنْفُذُ وَتَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ ، وَإِنْ أَجَازَهُ جَازَ لِوُجُودِ التَّرَاضِي بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ لِحَقِّ الشَّرْعِ يَجُوزُ بِإِجَازَتِهِمَا ، وَلَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ هَاهُنَا وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، لِأَنَّ الْفَسَادَ لِحَقِّ الشَّرْعِ ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِالْبَيْعِ الثَّانِي حُقُّ الْعَبْدِ ، وَهُنَا أَيْضًا الرَّدُّ حَقُّ الْعَبْدِ ، وَهَمَا سَوَاءٌ ، وَلَوْ أُكْرِهَ بِضَرْبِ سَوْطٍ ، أَوْ حَبْسِ يَوْمٍ ، أَوْ قِيدَ يَوْمٍ لَا يَكُونُ إِكْرَاهًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَالَى بِهِ عَادَةً ، إِلَّا إِذَا كَانَ ذَا مَنْصِبٍ يَسْتَضِرُّ بِهِ ، فَيَكُونُ إِكْرَاهًا فِي حَقِّهِ لِزَوَالِ الرِّضَى . وَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَلَيْسَ بِسَبَبٍ ، لَكِنْ جُعِلَ حُجَّةً لِرُجْحَانِ جَانِبِ الصِّدْقِ ، وَعِنْدَ الْإِكْرَاهِ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْكَذِبِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ .
( وَإِنْ قَبَضَ الْعِوَضَ طَوْعًا فَهُوَ إِجَازَةٌ ) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الرِّضَا كَالْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ .
( وَإِنْ قَبَضَهُ مُكْرَهًا فَلَيْسَ بِإِجَازَةٍ ، وَيَرُدُّهُ إِنْ كَانَ قَائِمًا ، فَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي