وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الْبَيْعِ كَالْمُسْلِمِينَ ، وَيَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ؛ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْأَخْرَسِ ، وَسَائِرُ عُقُودِهِ بِالْإِشَارَةِ الْمَفْهُومَةِ ؛ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْمَى وَشِرَاؤُهُ ، وَيَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ ، وَيَسْقُطُ خِيَارُهُ بِجَسِّ الْمَبِيعِ أَوْ بِشَمِّهِ أَوْ بِذَوْقِهِ ، وَفِي الْعَقَارِ بِوَصْفِهِ .
شرح
فَيَجُوزُ ، وَلِهَذَا يَنْتَقِلُ إِلَى مِلْكِ الْمُوصَى لَهُ وَالْوَارِثِ ، بِخِلَافِ الْحَشَرَاتِ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالضَّبِّ وَالْقُنْفُذِ وَنَحْوِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ إِمْسَاكِهِ مَأْمُورٌ بِقَتْلِهِ ؛ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْفِيلِ . وَفِي بَيْعِ الْقِرْدِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِجِلْدِهِ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازُ بِيعَ الْحَيِّ مِنَ السَّرَطَانِ وَالسُّلَحْفَاةِ وَالضِّفْدَعِ دُونَ الْمَيِّتِ مِنْهُ ؛ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَلَقِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ .
قَالَ : ( وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الْبَيْعِ كَالْمُسْلِمِينَ ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « إِذَا قَبِلُوا الْجِزْيَةَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ » .
( وَيَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ) لِأَنَّهُ مِنْ أَعَزِّ الْأَمْوَالِ عِنْدَهُمْ ، وَقَدْ أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : وَلَهُمْ بَيْعَهَا . قَالَ :
( وَيَجُوزُ بَيْعُ الْأَخْرَسِ ، وَسَائِرُ عُقُودِهِ بِالْإِشَارَةِ الْمَفْهُومَةِ ) وَيُقْتَصُّ مِنْهُ وَلَهُ ، وَلَا يُحَدُّ لِلْقَذْفِ وَلَا يُحَدُّ لَهُ ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ يَكْتُبُ ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مِنَ الْغَائِبِ كَالْخِطَابِ مِنَ الْحَاضِرِ وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أُمِرَ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ ، وَقَدْ بَلَّغَ الْبَعْضُ بِالْكِتَابِ ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِمَكَانِ الْعَجْزِ ، وَالْعَجْزُ فِي الْأَخْرَسِ أَظْهَرُ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَنِ اعْتَقَلَ لِسَانَهُ أَوْ صَمَتَ يَوْمًا ، لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ إِذَا صَارَتْ مَعْهُودَةً وَمَعْلُومَةً ، فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَخْرَسِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ لِأَنَّهَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبَهَاتِ .
قَالَ : ( وَيَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْمَى وَشِرَاؤُهُ ) لِأَنَّ النَّاسَ تَعَاهَدُوا ذَلِكَ مِنْ لَدُنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا ، وَمِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ عَمِيَ وَكَانَ يَتَوَلَّى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ . وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ حَبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « إِذَا ابْتَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ وَلِي الْخِيَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ » وَكَانَ أَعْمًى ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ . وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ جَازَ لَهُ الْمُبَاشَرَةُ كَالْبَصِيرِ .
( وَيَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ ) لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ عَلَى مَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( وَيَسْقُطُ خِيَارُهُ بِجَسِّ الْمَبِيعِ أَوْ بِشَمِّهِ أَوْ بِذَوْقِهِ ، وَفِي الْعَقَارِ بِوَصْفِهِ ) وَفِي الثَّوْبِ بِذِكْرِ طُولِهِ وَعَرْضِهِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ الْعِلْمُ بِالْمُشْتَرَى كَالنَّظَرِ مِنَ الْبَصِيرِ وَبَلْ أَكْثَرُ ؛ وَلَوْ وُصِفَ لَهُ الْعَقَارُ ثُمَّ أَبْصَرَ لَا خِيَارَ لَهُ ؛ وَلَوِ اشْتَرَى الْبَصِيرُ مَا لَمْ يَرَهُ ثُمَّ عَمِيَ فَهُوَ كَالْأَعْمَى عِنْدَ الْعَقْدِ .