. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
فِي الْمَدِينَةِ » ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَقَفُوا ، وَالْخَلِيلُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه - وَقَفَ وُقُوفًا هِيَ بَاقِيَةٌ جَارِيَةٌ إِلَى يَوْمِنَا . وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ جَوَازِهِ .
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ : شَرْطُ جَوَازِهِ أَنْ يَكُونَ مُوصًى بِهِ ، أَوْ يَقُولَ : إِذَا مِتُّ فَقَدْ وَقَفْتُهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ لَا يَصِحُّ وَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَيُوَرَّثُ عَنْهُ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ فَيَصِيرَ جَائِزًا وَيَتَأَبَّدَ ، وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِلُزُومِهِ لَزِمَ وَنَفَذَ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ فِي مُجْتَهِدٍ وَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ إِبْطَالُهُ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لَا يُشْتَرَطُ لِجَوَازِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ عِنْدَهُ حَبْسُ الْعَيْنِ عَلَى مِلْكِهِ عَمَلًا بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ وَقَفْتُ وَالتَّصَدُّقِ بِثَمَرَتِهِ وَغَلَّتِهِ الْمَعْدُومَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، وَلَا يَصِحُّ التَّصَدُّقُ بِالْمَعْدُومِ إِلَّا بِالْوَصِيَّةِ ، وَعِنْدَهُمَا هُوَ إِزَالَةُ الْعَيْنِ عَنْ مِلْكِهِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَجَعْلُهُ مَحْبُوسًا عَلَى حُكْمِ مِلْكِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى وَجْهٍ يَصِلُ نَفْعُهُ إِلَى عِبَادِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مِلْكِهِ وَيَخْلُصَ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَيَصِيرَ مُحَرَّرًا عَنِ التَّمْلِيكِ لِيَسْتَدِيمَ نَفْعُهُ وَيَسْتَمِرَّ وَقْفُهُ لِلْعِبَادِ . لَهُمَا أَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى لُزُومِ الْوَقْفِ لِيَصِلَ ثَوَابُهُ إِلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ ، وَأَنَّهُ مُمْكِنٌ بِإِسْقَاطِ مِلْكِهِ وَجَعْلِهِ لِلَّهِ - تَعَالَى - كَالْمَسْجِدِ فَيُجْعَلُ كَذَلِكَ .
قَالَ النَّسَفِيُّ : وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى دَخَلَ بَغْدَادَ فَسَمِعَ حَدِيثَ عُمَرَ فَرَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ : لَوْ بَلَغَ هَذَا أَبَا حَنِيفَةَ لَرَجَعَ إِلَيْهِ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ لَهُ أَرْضٌ تُدْعَى ثَمْغًا وَكَانَتْ نَخْلًا نَفِيسًا ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا نَفِيسًا أَفَأَتَصَدَّقُ بِهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُوَرَّثُ ، وَلَكِنْ تُنْفَقُ ثَمَرَتُهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ » ، فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَذَوِي الْقُرْبَى ، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُؤَكِّلَ صَدِيقًا لَهُ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ » ، وَعَنْ شُرَيْحٍ جَاءَ مُحَمَّدٌ بِبَيْعِ الْحَبِيسِ . « وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ : أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِضَيْعَةٍ لَهُ ، فَشَكَاهُ أَبُوهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ لَهُ : " ارْجِعْ فِي صَدَقَتِكَ » ، وَلِأَنَّ شَرَائِطَ الْوَاقِفِ تُرَاعَى فِيهِ ، وَلَوْ زَالَ عَنْ مِلْكِهِ لَمْ تُرَاعَ كَالْمَسْجِدِ ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّصَدُّقِ بِالْغَلَّةِ دَائِمًا ، وَلَا ذَلِكَ إِلَّا بِبَقَاءِ الْعَيْنِ عَلَى مِلْكِهِ ، ثُمَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِصِحَّةِ الْوَقْفِ أَرْبَعَةُ شَرَائِطَ : التَّسْلِيمُ إِلَى الْمُتَوَلِّي ، وَأَنْ يَكُونَ مُفْرَزًا ، وَأَلَّا يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ ، وَأَنْ يَكُونَ مُؤَبَّدًا بِأَنْ يَجْعَلَ آخِرَهُ لِلْفُقَرَاءِ . لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ قَالُوا : لَا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ إِلَّا مَحُوزَةً مَقْبُوضَةً ، وَلِأَنَّ التَّمْلِيكَ حَقِيقَةٌ مِنَ اللَّهِ لَا يُتَصَوَّرُ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْأَشْيَاءِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ ضِمْنًا لِلتَّسْلِيمِ إِلَى الْعَبْدِ كَالزَّكَاةِ ، وَلِأَنَّهُ مَتَى كَانَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ لَمْ يَخْلُصْ لِلَّهِ - تَعَالَى - .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ وَصَارَ كَالْإِعْتَاقِ ، وَأَخَذَ مَشَايِخُ خُرَاسَانَ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ تَرْغِيبًا