إِذَا انْفَصَلَ عَنِ الْعُضْوِ .
[ جُلُودُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا وَعَظْمُهَا ] وَكُلُّ إِهَابٍ ( ف ) دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ إِلَّا جِلْدَ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ ، وَالْخِنْزِيرِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ ، وَشَعْرُ الْمَيْتَةِ وَعَظْمُهَا طَاهِرٌ ، وَشَعْرُ الْإِنْسَانِ وَعَظْمُهُ طَاهِرٌ .
شرح
إِذَا انْفَصَلَ عَنِ الْعُضْوِ ) . وَرَوَى النَّسَفِيُّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا حَتَّى يَسْتَقِرَّ فِي مَكَانٍ ، وَالْأَوَّلُ الْمُخْتَارُ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إِلَّا بِإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ لَا غَيْرَ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ قُرْبَةً بِالنِّيَّةِ ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ فِي الْجُنُبِ الْمُنْغَمِسِ فِي الْبِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ فَعِنْدَهُمَا طَاهِرَانِ ; لِأَنَّ النِّيَّةَ عِنْدَهُ شَرْطٌ فِي صَيْرُورَةِ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا ، وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي إِزَالَةِ الْجَنَابَةِ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الرَّجُلُ بِحَالِهِ لِعَدَمِ الصَّبِّ ، وَالْمَاءُ بِحَالِهِ ؛ لِعَدَمِ إِزَالَةِ الْحَدَثِ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُمَا نَجِسَانِ : الْمَاءُ لِإِزَالَتِهِ الْجَنَابَةَ عَنِ الْبَعْضِ ، وَالرَّجُلُ لِبَقَاءِ الْحَدَثِ فِي بَاقِي الْأَعْضَاءِ . وَقِيلَ : يَطْهُرُ مِنَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ يَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَنَحْوُهُ ، وَقِيلَ : هُوَ طَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إِلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ تَوَضَّأَ مُحْدِثٌ لِلتَّبَرُّدِ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ ، ثُمَّ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا يَتَبَادَرُونَ إِلَى وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَمْسَحُونَ بِهِ وُجُوهَهُمْ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَنَعَهُمْ كَمَا مَنَعَ الْحَجَّامَ مِنْ شُرْبِ دَمِهِ . وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً لِأَنَّهُ أَزَالَ النَّجَاسَةَ الْحُكْمِيَّةَ فَصَارَ كَمَا إِذَا أَزَالَ الْحَقِيقِيَّةَ ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الْحُكْمِيَّةَ أَغْلَظُ حَتَّى لَا يُعْفَى عَنِ الْقَلِيلِ مِنْهَا ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهِيَ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنَّ نَجَاسَتَهُ خَفِيفَةٌ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ .
وَقَالَ زُفَرُ : إِنْ كَانَ الْمُسْتَعْمِلُ مُحْدِثًا فَهُوَ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَهُوَ طَهُورٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُزِلِ النَّجَاسَةَ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ وَصْفُهُ .
[ طهارة جُلُودُ الْمَيْتَةِ ]
قَالَ : ( وَكُلُّ إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ » .
قَالَ : ( إِلَّا جِلْدَ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ ) فَيَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِهَانَةِ .
( وَ ) إِلَّا جِلْدَ . ( الْخِنْزِيرِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } [ الأنعام : 145 ] وَهُوَ أَقْرَبُ الْمَذْكُورَاتِ فَيُصْرَفُ إِلَيْهِمْ ، وَالْفِيلُ كَالْخِنْزِيرِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ، وَعِنْدَهُمَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ : إِذَا أَصْلَحَ مَصَارِينَ مَيْتَةً أَوْ دَبَغَ الْمَثَانَةَ طَهُرَتْ حَتَّى يَتَّخِذَ مِنْهَا الْأَوْتَارَ ، وَمَا طَهُرَ بِالدِّبَاغِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ ; لِأَنَّهَا تُزِيلُ الرُّطُوبَاتِ كَالدِّبَاغِ ، وَالدِّبَاغُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ حَدِّ الْفَسَادِ سَوَاءً كَانَ بِالتُّرَابِ أَوْ بِالشَّمْسِ أَوْ غَيْرِهِمَا .
قَالَ : ( وَشَعْرُ الْمَيْتَةِ وَعَظْمُهَا طَاهِرٌ ) لِأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تُحِلُّهُمَا حَتَّى لَا تَتَأَلَّمَ بِقَطْعِهِمَا فَلَا يَحِلُّهُمَا الْمَوْتُ وَهُوَ الْمُنَجِّسُ ، وَكَذَلِكَ الْعَصَبُ وَالْحَافِرُ وَالْخُفُّ وَالظِّلْفُ وَالْقَرْنُ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَالرِّيشُ وَالسِّنُّ وَالْمِنْقَارُ وَالْمِخْلَبُ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا } [ النحل : 80 ] امْتَنَّ بِهَا عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ .
( وَشَعْرُ الْإِنْسَانِ وَعَظْمُهُ طَاهِرٌ ) وَهُوَ الصَّحِيحُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِمَا بَيَّنَّا ، أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ نَجِسَةٌ لِمَا مَرَّ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ