وَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوُهَا ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إِخْرَاجُ جَمِيعِ الْمَاءِ نُزِحَ مِنْهَا مِائَتَا دَلْوٍ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ .
فَصْلٌ سُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَالْفَرَسِ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ .
شرح
ابْتِدَاءً ، وَلَوْ وَقَعَ الْحَيَوَانُ فِي الْبِئْرِ ثُمَّ أُخْرِجَ حَيًّا فَإِنْ كَانَ طَاهِرًا كَالْآدَمِيِّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يُنْزَحْ شَيْءٌ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَخْرَجِهِ نَجَاسَةٌ نُزِحَ الْجَمِيعُ ، وَكَذَلِكَ سِبَاعُ الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَكَذَلِكَ الْبَغْلُ وَالْحِمَارُ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مَشْكُوكًا فِيهِ ; لِأَنَّ بَدَنَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ طَاهِرٌ ، وَإِنْ وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى لُعَابِهِ أَخَذَ حُكْمَهُ . وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ : إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مُحْدِثًا نُزِحَ أَرْبَعُونَ دَلْوًا ، وَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَالْجَمِيعُ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : إِنْ نَوَى الْغُسْلَ أَوِ الْوُضُوءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا فَيَفْسَدُ وَإِلَّا فَلَا . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْكَافِرِ يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو بَدَنُهُ مِنَ النَّجَاسَةِ غَالِبًا .
قَالَ : ( وَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوُهَا ) لِأَنَّ السَّلَفَ أَطْلَقُوا فَيُنْصَرَفُ إِلَى الْمُعْتَادِ كَمَا فِي النُّقُودِ ; وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِالصَّاعِ .
( وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إِخْرَاجُ جَمِيعِ الْمَاءِ نُزِحَ مِنْهَا مِائَتَا دَلْوٍ إِلَى ثَلَثِمِائَةٍ ) لِأَنَّ غَالِبَ مَاءِ الْآبَارِ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ ، وَهَذَا أَيْسَرُ عَلَى النَّاسِ ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُنْزَحُ حَتَّى يَغْلِبَهُمُ الْمَاءُ وَلَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ شَيْئًا ، فَيَعْمَلُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ ، فَيُرْجَعُ إِلَى قَوْلِ رَجُلَيْنِ لَهُمَا مَعْرِفَةٌ بِذَلِكَ . وَإِذَا نُزِحَ مَا وَجَبَ نَزْحُهُ وَحُكِمَ بِطَهَارَةِ الْبِئْرِ طُهِّرَ الدَّلْوُ وَالرِّشَا وَالْبَكَرَةُ وَنَوَاحِيهَا وَيَدُ الْمُسْتَقَى ، مَرْوِيٌّ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - .
[ فصل في حُكْمُ الْأَسْآرِ ]
فَصْلٌ ( سُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَالْفَرَسِ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ ) الْأَسْآرُ أَرْبَعَةٌ : طَاهِرٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ ، وَهُوَ سُؤْرُ الْآدَمِيِّ جُنُبًا كَانَ أَوْ حَائِضًا أَوْ مُشْرِكًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرِبَ وَأَعْطَى فَضْلَ سُؤْرِهِ أَعْرَابِيًّا عَنْ يَمِينِهِ فَشَرِبَ ، ثُمَّ شَرِبَ أَبُو بَكْرٍ سُؤْرَ الْأَعْرَابِيِّ ، وَأَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَافِحَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ : إِنِّي جُنُبٌ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ » ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : « نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ ، قَالَتْ : إِنِّي حَائِضٌ ، قَالَ : لَيْسَتْ حَيْضَتُكِ فِي يَدِكِ » إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّجِسَ مَوْضِعُ الْحَيْضِ ، وَلِأَنَّ بَدَنَ الْإِنْسَانِ طَاهِرٌ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْزَلَ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَوْ كَانَتْ أَبْدَانُهُمْ نَجِسَةً لَمْ يُنْزِلْهُمْ فِيهِ تَنْزِيهًا لَهُ وَكَذَا سُؤْرُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ; لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمِهِ فَيَكُونُ طَاهِرًا كَاللَّبَنِ إِلَّا الدَّجَاجَةَ الْمُخَلَّاةَ وَالْإِبِلَ وَالْبَقَرَ الْجَلَّالَةَ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ