تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
وَالْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ يُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ ، وَمُنْقَطِعُ الْغُزَاةِ وَالْحَاجِّ ، وَالْمُكَاتَبُ يُعَانُ فِي فَكِّ رَقَبَتِهِ ، وَالْمَدْيُونُ الْفَقِيرُ ، وَالْمُنْقَطِعُ عَنْ مَالِهِ ، وَلِلْمَالِكِ أَنْ يُعْطِيَ جَمِيعَهُمْ ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَحَدِهِمْ ،
شرح
لَا يَسْأَلُ ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمِسْكِينَ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الْأَوْقَافِ عَلَيْهِمْ وَالْوَصَايَا لَهُمْ دُونَ الزَّكَاةِ . قَالَ : ( وَالْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ يُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ ) مَا يَسَعُهُ وَأَعْوَانَهُ زَادَ عَلَى الثَّمَنِ أَوْ نَقَصَ ؛ لِأَنَّهُ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ لِلْفُقَرَاءِ ، فَيَكُونُ كِفَايَتُهُ فِي مَالِهِمْ كَالْمُقَاتِلَةِ وَالْقَاضِي ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْإِجَارةِ لِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، وَيَحِلُّ لِلْغَنِيِّ دُونَ الْهَاشِمِيِّ لِمَا فِيهَا مِنْ شُبْهَةِ الْوَسَخِ ، وَالْهَاشِمِيُّ أَوْلَى بِالْكَرَامَةِ وَالتَّنَزُّهِ عَنِ الْوَسَخِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ الْغَنِيُّ ، وَلَوْ هَلَكَتِ الزَّكَاةُ فِي يَدِ الْعَامِلِ سَقَطَ أَجْرُهُ لِأَنَّ حَقَّهُ فِيمَا أَخَذَ وَأَجْزَأَتْ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ الْإِمَامِ وَالْفُقَرَاءِ . قَالَ : ( وَمُنْقَطِعُ الْغُزَاةِ وَالْحَاجِّ ) وَهُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( { وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ } [ التوبة : 60 ] ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : هُمْ فُقَرَاءُ الْغُزَاةِ لَا غَيْرُ ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ عِنْدَ إِطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ . وَلِمُحَمَّدٍ : أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ بَعِيرًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ الْحَاجَّ ، وَلِأَنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا فِيهِ مِنِ امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَطَاعَتِهِ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَعَالَى . قَالَ : ( وَالْمُكَاتَبُ يُعَانُ فِي فَكِّ رَقَبَتِهِ ) وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( { وَفِي الرِّقَابِ } [ التوبة : 60 ] ) هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ ، قَالُوا : لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى مُكَاتَبٍ هَاشِمِيٍّ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِلْمَوْلَى . وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ : لَا يُدْفَعُ إِلَى مُكَاتَبِ غَنِيٍّ ، وَإِطْلَاقُ النَّصِّ يَقْتَضِي الْكُلَّ وَهُوَ الصَّحِيحُ . قَالَ : ( وَالْمَدْيُونُ الْفَقِيرُ ) وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْغَارِمِينَ } [ التوبة : 60 ] وَإِطْلَاقُ الْآيَةِ يَقْتَضِي جَوَازَ الصَّرْفِ إِلَى مُطْلَقِ الْمَدْيُونِ إِلَّا أَنَّهُ قَامَ الدَّلِيلُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ » عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى مَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا فَاضِلًا عَمَّا عَلَيْهِ . قَالَ : ( وَالْمُنْقَطِعُ عَنْ مَالِهِ ) وَهُوَ ابْنُ السَّبِيلِ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إِلَى الِانْتِفَاعِ بِمَالِهِ فَكَانَ كَالْفَقِيرِ ، فَهُوَ فَقِيرٌ حَيْثُ هُوَ غَنِيٌّ حَيْثُ مَالُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ عِنْدَهُ فَلَهَا نَفَقَةُ الْفُقَرَاءِ ، وَإِنْ كَانَتْ حَيْثُ مَالُهُ فَلَهَا نَفَقَةُ الْأَغْنِيَاءِ . قَالَ : ( وَلِلْمَالِكِ أَنْ يُعْطِيَ جَمِيعَهُمْ ) وَلَا خِلَافَ فِيهِ . ( وَلَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَحَدِهِمْ ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْآخِذُ لَهَا . قَالَ تَعَالَى : { وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ } [ التوبة : 104 ] . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ السَّائِلِ » الْحَدِيثَ ، وَإِضَافَتُهُ إِلَيْهِمْ بِحَرْفِ اللَّامِ لِبَيَانِ أَنَّهُمْ مَصَارِفُ لَا لِبَيَانِ أَنَّهُمُ الْمُسْتَحِقُّونَ لَهَا ، وَبِعِلَّةِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ صَارُوا مَصَارِفَ ، وَالْمَقْصُودُ هُوَ إِغْنَاءُ الْفَقِيرِ ، وَسَدُّ خُلَّةِ الْمُحْتَاجِ . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ » وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَى الْأَغْنِيَاءِ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ دَفْعُ الْحَاجَةِ ، وَهُوَ مَعْنًى يَعُمُّ الْكُلَّ ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِالدَّفْعِ إِلَى الْبَعْضِ ، بِخِلَافِ الْعَامِلِ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ صَدَقَةً بَلْ عِوَضًا عَنْ عَمَلِهِ .