شرح
الزَّكَاةِ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ النُّصُبِ ، أَلَا يَرَى أَنَّهَا تُضَمُّ إِلَيْهِ فَكَانَتْ تَبَعًا لَهُ . وَقَالَ زُفَرُ : إِذَا أَدَّى عَنْ نُصُبٍ لَا يُجْزِيهِ إِلَّا عَنِ النِّصَابِ الَّذِي فِي مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى قَبْلَ السَّبَبِ وَهُوَ الْمِلْكُ ، وَلَنَا مَا بَيَّنَّا ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَفَادَ تَبَعُ الْأَصْلِ فِي حَقِّ الْوُجُوبِ ، فَيَكُونُ تَبَعًا فِي حُكْمِ الْحَوْلِ أَيْضًا ، فَكَأَنَّ الْحَوْلَ حَالَ عَلَى الْجَمِيعِ .
1 -
فَصْلٌ وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ أَخَذَهَا الْإِمَامُ كَرْهًا وَوَضَعَهَا مَوْضِعَهَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ } [ التوبة : 103 ] وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ » وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ كَانَ لِلْإِمَامِ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ إِلَى زَمَانِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِهَذِهِ النُّصُوصِ ، فَفَوَّضَهَا فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ إِلَى أَرْبَابِهَا مَخَافَةَ تَفْتِيشِ الظَّلَمَةِ إِلَى أَمْوَالِ النَّاسِ ، فَصَارَ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ كَالْوُكَلَاءِ عَنِ الْإِمَامِ ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُؤَدُّونَ طَالَبَهُمْ بِهَا ; وَمَا أَخَذَهُ الْخَوَارِجُ وَالْبُغَاةُ مِنَ الزَّكَاةِ لَا يُثَنَّى عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ حِمَايَتِهِمْ ، وَالْجِبَايَةُ بِالْحِمَايَةِ ، وَيُفْتَى أَهْلُهَا بِالْإِعَادَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعَلِمْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهَا بِطَرِيقِ الصَّدَقَةِ وَلَا يَصْرِفُونَهَا مَصَارِفَهَا .
وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيمَا يَأْخُذُهُ الظَّلَمَةُ مِنَ السَّلَاطِينِ فِي زَمَانِنَا . قَالَ مَشَايِخُ بَلْخَ : يُفْتَوْنَ بِالْإِعَادَةِ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَعْمَشُ : يُفْتَوْنَ بِإِعَادَةِ الصَّدَقَةِ لِأَنَّهَا حَقُّ الْفُقَرَاءِ وَلَا يَصْرِفُونَهَا إِلَيْهِمْ ، وَلَا يُفْتَوْنَ فِي الْخَرَاجِ لِأَنَّهُ حَقُّ الْمُقَاتِلَةِ وَهُمْ مِنْهُمْ حَتَّى لَوْ ظَهَرَ عَلَى الْإِسْلَامِ عَدُوٌّ قَاتَلُوهُ .
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ : الْأَصَحُّ أَنَّ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ إِذَا نَوَوْا عِنْدَ الدَّفْعِ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ سَقَطَ عَنْهُمْ جَمِيعُ ذَلِكَ ، وَكَذَا جَمِيعُ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الرَّجُلِ مِنَ الْجِبَايَاتِ وَالْمُصَادَرَاتِ ؛ لِأَنَّ مَا بِأَيْدِيهِمْ أَمْوَالُ النَّاسِ ، وَمَا عَلَيْهِمْ مِنَ التَّبِعَاتِ فَوْقَ مَالِهِمْ ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْغَارِمِينَ وَالْفُقَرَاءِ ، حَتَّى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ : يَجُوزُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ وَالِي خُرَاسَانَ . وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ أَوْ صَدَقَةُ فِطْرٍ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ تَرِكَتِهِ ، وَإِنْ تَبَرَّعَ بِهِ الْوَرَثَةُ جَازَ ، وَإِنْ أَوْصَى بِهِ يُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ لِأَنَّهَا
عِبَادَةٌ ، فَلَا تَتَأَدَّى إِلَّا بِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْعِبَادَةِ ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ شُرِعَتْ لِلِابْتِلَاءِ لِيَتَبَيَّنَ الطَّائِعُ مِنَ الْعَاصِي ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَقَصْدِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِيتَاءِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْ غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَائِبًا عَنْهُ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ ، بِخِلَافِ الْوَارِثِ لِأَنَّهُ يَخْلُفُهُ جَبْرًا ، وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَدَاءُ وَارِثِهِ عَنْهُ إِلَّا أَنَّا جَوَّزْنَاهُ اسْتِحْسَانًا ، وَقُلْنَا بِسُقُوطِهِ عَنْهُ بِأَدَاءِ الْوَارِثِ ، لِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ حَيْثُ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « فَدَيْنُ اللَّهِ أَوْلَى » .