معروف الوفاء لمن عرفه ، لا يساكنه الرياء في بقعه ، ولا يساوقه الملق في رقعه ، يرسل النادرة ، ثم يتبعها الزفرة البادرة ، والعبرة الهادرة ، فمجالس العدل والأقساط ، مشوبة بالانبساط ، ودسوت الإثبات والمحو ، متعاقبة الغيم والصحو ، وسقائف الجعجاع ، جامعة بين الاسترسال والاسترجاع ، والتفكه بالاسجاع ، والتزلف بتسكين الأوجاع ؛ وأما الخطابة فهو زيد الخيل إذا منبر ( 1 ) اخرج ، ولموقف الفضل اسرج ، يبتده الشوارد على ظهره ، معفيا طبعه من قهره ، مقتضيا منه في الساعة من دهره ، خبيئة شهره ، كلما فجر مذانب البيان من نهره ، أتحفها عود المنبر ( 2 ) بزهره .
وبالجملة فكان هذا الشيخ في سلف ، واهتمام زكلف ، وعدم خلف ، بمنزلة أبي دلف ، " ولت الدنيا على أثره " ، وقل إن ترجع ، والبرهان يفضح من يجعجع ؛ وله في الأدب عليا الدرجات ، والافواح المتأرجات ، والبدائع التي سارت مسير الشمس في الأقطار ، وتغنى بها راكب الفلك وحادي القطار ؛ فمن ذلك قوله في الأغراض الواهيات والأذواق الشهيات ( 3 ) :
يأبى شجون حديثي الإفصاح . . . إذ لا تقوم يشرحه الألواح
قالت صفية عندما مرت بها . . . ابلي أتنزل ساعة ترتاح
( 38 ب ) فأجبتها لولا الرقيب لكان في . . . ما تبتغي بعد الغدو رواح
قالت : وهل في الحي حي غيرنا . . . فاسمح فديتك فالسماح رباح
فأجبتها : إن الرقيب هوالك . . . بيديه منا هذه الأرواح
هامش
( 1 ) خ بهامش ك : إذا المهر .
( 2 ) خ بهامش ك : البيان .
( 3 ) القصيدة في الإحاطة 2 : 110 .