- فالأَولُ : كقولِه تعَالى : ( رَبنَا وَسِعْتَ كل شَىْءٍ رحمَةً وعِلْما ) ، فهذا ظاهِر فِي الإرادَةِ ؛ لأنَّ الوُسْعَ عبارةٌ عنْ عُمُومِ التعلق ، ويدُل على ذلك أيضاً اقترانُها بالعِلْم ، وأن وُسْعَ الرحمةِ كوُسْعِ العِلم . وهذا ظاهِرٌ في الإِرَادةِ .
- وأمَّا مَا يَتَعَيَّنُ فيه مَذْهبُ القاضِي فقولُهُ تعَاَلى : ( هَذا رَحْمَةٌ مِن ربِّي ) إشارةً إلى السَّدِّ ، وهُو إحسانٌ مِنَ اللهِ تَعالى ، لَا إِرَادَتُهُ القديمَةُ .
- وأما مَا يحتمِلُ الأَمْرَيْن ، فهَذَا الموضِعُ ، والذِي في فاتِحَةِ الكِتَابِ .
وَمَذهبُ الشَيْخ أقربُ منْ مذهبِ القَاضي ؛ لأَن الرحمةَ التي وُضِعَ اللفْظُ بإِزَائِها حقيقة فيها هيَ رقة الطّبْع ، ويلْزَمُهَا أمْران : الأَوَّلُ إرادةُ الإحْسانِ ، والثاني الإحسانُ نفسُه ؛ فهُمَا لازِمَان للرِّقَّةِ التي هي حقيقةُ اللفْظِ . والتَّعبيرُ بلفْظِ الملْزُوم عَنِ اللازم مجازٌ عُرْفيٌّ شائِعٌ ، وإنْ شئْتَ جعلتَهُ مِنْ إطْلاقِ اسْمِ السبَبِ على الْمُسببَ ، غيرَ أن إرادةَ الإحسانِ ألزَمُ للرِّقَةِ ؛ فإِنَّ كلَّ مَن رحمتَهُ فأحسنتَ إليْه ، فقدْ أرَدْتَ الإحسانَ إليه ، وقد تريدُ الإحسانَ وتقْصُرُ قدرتُكَ عنه ، فَثَبَتَ أن الإرادةَ أكثرُ لزوماً للرِّقَةِ ، ومَتَى قَرُبَتِ العلاقةُ كانَ مجازُها أرْجَحَ " .
والنص بطوله للقرافي في " فروقه " ، وهو أيضا في " ترتيب الفروق واختصارها " للبقوري : 1 / 458 - 459 .
3 - الموطن الثالث ، عند شرحه لبيت الشاطبي :
ومهما تصلها مع أواخر سورة . . . فلا تقفن الدهر فيها فتثقلا
" وقوْلُ الشاطبي : " ومهما " : عَامَّةٌ ، فَيَصِح فيهَا الابتداءُ والنَصبُ بفعْل يُفَسِّرُهُ " تَصِلْ " ، والتَّقدير : وَأيُّ بسْملةٍ تصلُ " تَصِلْهَا " ، والظَرْفيةُ بمعْنى : وَأَيّ وقتٍ تصلُ البسملةَ علَى القَوْلِ بجَوَازِ ظَرْفيَّتِهَا . وأما هُنَا فيتعَين كونُها ظرْفاً ل " تصِل " ، بتقْدير : " وأيّ وقْتٍ تَصِلُ بَراءَةَ " . أوْ مفعولاً بهِ حُذِفَ عاملُه : أي " وَمَهْمَا تَفْعَلْ " ، ويكوَن " تصل " و " بَدَأتَ " بَدَلَ تَفْصِيل من ذلكَ الفِعْل .
وأمَّا ضميرُ " تَصِلْهَا " فَلَكَ أَّنْ تُعيدَه على اسْم مضمرٍ قَبْلَه محذوف ، أَيْ : ومهْمَا تفعل في تصلها ، أوْ بَدَأْتَ بِهَا ، وحَذَفَ " بِهَا " . ولَمَّا خَفِيَ المعنى بحذفِ مرْجِعِ الضميرِ ، ذَكَرَ بَرَاءَةَ بياناً له ، إِمَّا على أنَّهَا بَدَلٌ منه ، أوْ على إضمارِ " أعْني " . وَلَكَ أن تعيدَه
نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد — صفحة 220
مساهمون: أحمد بن محمد البسيلي التونسي
ص٢٢٠