وقال الحنفية : آية البقرة منسوخة بآية المائدة . { النفس بالنفس } فالقصاص ثابت بين العبد والحر والذكر والأنثى ، ويستدلون بقوله عليه الصلاة والسلام : " المسلمون تتكافأ دماؤهم " وبأن التفاضل غير معتبر في الأنفس بدليل أن جماعة لو قتلوا واحدًا قتلوا به . وأجيب : بأن دعوى النسخ بآية المائدة غير سائغة لأنه حكاية ما في التوراة فلا ينسخ ما في القرآن . وعن الحسن وغيره لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية ، وخالفهم الجمهور وهو مذهب الأئمة الأربعة فقالوا : يقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر بالإجماع ، وحينئذ فما نقله في الكشاف عن الشافعي ومالك أنه لا يقتل الذكر بالأنثى لا عمل عليه ( { عفي } ) [ البقرة : 178 ] أي ( ترك ) وسقط ذلك في نسخ .
4498 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - يَقُولُ : كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ . فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الأُمَّةِ : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى
بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } [ البقرة : 178 ] فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ . { فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } يَتَّبِعُ بِالْمَعْرُوفِ وَيُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ { ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ { فَمَنِ اعْتَدَي بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } قَتَلَ بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ . [ الحديث 4498 - طرفه في : 6881 ] .
وبه قال : ( حدّثنا الحميدي ) عبد الله بن الزبير بن عيسى المكي قال : ( حدّثنا سفيان ) بن عيينة قال : ( حدّثنا عمرو ) هو ابن دينار ( قال : سمعت مجاهدًا ) هو ابن جبر المفسر ( قال : سمعت ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول ) : كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدّية فقال الله تعالى لهذه الأمة : ( { كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عُفي له من أخيه شيء } ) أي شيء من العفو لأن عمّا لازم وفائدته الإشعار بأن بعض العفو كالعفو التام في إسقاط القصاص ، وقيل عُفي بمعنى ترك وشئ مفعول به وهو ضعيف إذ لم يثبت عمّا الشيء بمعنى تركه بل أعفاه وعفا يعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب . قال الله تعالى : { عفا الله عنك } [ التوبة : 43 ] وقال : { عفا الله عنها } [ المائدة : 101 ] فإذا عدى به إلى الذنب عدى إلى الجاني باللام كأنه قيل : فمن عفى له عن جنايته من جهة أخيه يعني وليّ الدم ، وذكره بلفظ الأخوة الثابتة بينهما من الجنسية والإسلام ليرق له بعطف عليه قاله القاضي في تفسيره ( فالعفو أن يقبل ) الولي ( الدية ) من المعفو عنه ( في ) القتل ( العمد { فاتباع بالمعروف وأداء بإحسان } يتبع ) بتشديد الفوقية وكسر الموحدة ولأبي ذر يتبع بفتح التحتية وسكون الفوقية وفتح الموحدة أي يطلب ولي المقتول الدّية ( بالمعروف ) من غير عنف ( ويؤدي ) المعفو عنه الدّية ( بإحسان ) من غير مطل ولا بخس .
( { ذلك } ) الحكم المذكور من العفو والدية ( { تخفيف من ربكم } مما كتب على من كان قبلكم } ) [ البقرة : 178 ] لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص فقط وحرم عليهم العفو وأخذ الدّية وأهل الإنجيل العفو ، وحرم عليهم القصاص والدية ، وخيرت هذه الأمة المحمدية بين الثلاثة : القصاص والدّية والعفو تيسيرًا عليهم وتوسعة ( { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } ) [ البقرة : 178 ] أي ( قتل ) بفتحات ( بعد قبول الدية ) فله عذاب موجع في الآخرة أو في الدنيا بأن يقتل لا محالة . قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ، عن الحسن عن سمرة قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لا أعافي رجلًا " وفي رواية " أحدًا قتل بعد أخذه الدّية " يعني لا أقبل منه الدّية بل أقتله .
4499 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ » .
وبه قال : ( حدّثنا محمد بن عبد الله ) بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك بن النضر
( الأنصاري ) وسقط ابن عبد الله لأبي ذر قال : ( حدّثنا حميد ) الطويل ( أن أنسًا حدثهم عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) :
( كتاب الله القصاص ) برفعهما على أن كتاب الله مبتدأ والقصاص خبره ونصبهما على أن الأول إغراء ، والثاني بدل منه ، ونصب الأول ورفع الثاني على أنه مبتدأ محذوف الخبر أي اتبعوا كتاب الله ففيه القصاص ، والمعنى حكم كتاب الله القصاص ففيه حذف مضاف وهو يشير إلى قوله تعالى : { والجروح قصاص } وقوله : { والسن بالسن } [ المائدة : 45 ] وهو ثلاثي الإسناد مختصر هنا ساقه مطوّلًا في الصلح ، وفي هذا الباب بنحوه رباعيًا فقال بالسند إليه :
4500 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ السَّهْمِيَّ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الرُّبَيِّعَ عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْوَ ، فَأَبَوْا فَعَرَضُوا الأَرْشَ فَأَبَوْا فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَوْا إِلاَّ الْقِصَاصَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقِصَاصِ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ ، لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ » فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ » .
( حدّثني ) بالإفراد ( عبد الله بن منير ) بضم الميم وكسر النون وبعد التحتية الساكنة راء أبو عبد الرحمن الزاهد المروزي أنه ( سمع عبد الله بن بكر ) بسكون الكاف ( السهمي ) قال : ( حدّثنا حميد ) الطويل ( عن أنس ) - رضي الله عنه - ( أن الربيع ) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة بنت النضر ( عمته ) أي عمة أنس ( كسرت ثنية جارية ) أي امرأة شابة لا أمة إذ لا قصاص
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 21
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص٢١