الْوَجْهُ التَّاسِعُ : هَبْ أَنَّ الْمُرَادَ : مِنَ الْمَعْلُومِ فِيهِمُ الصِّدْقُ ، لَكِنَّ الْعِلْمَ كَالْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ : { فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ } [ سُورَةُ الْمُمْتَحِنَةِ : 10 ] وَالْإِيمَانُ أَخْفَى مِنَ الصِّدْقِ . فَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ الْمَشْرُوطُ هُنَاكَ يُمْتَنَعُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ : لَيْسَ إِلَّا الْعِلْمُ بِالْمَعْصُومِ ، كَذَلِكَ هُنَا يُمْتَنَعُ أَنْ يُقَالَ : لَا يُعْلَمُ إِلَّا صِدْقُ الْمَعْصُومِ ( 1 ) .
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ : هَبْ ( 2 ) أَنَّ الْمُرَادَ : عَلِمْنَا صِدْقَهُ ، لَكِنْ يُقَالُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ وَنَحْوَهُمْ مِمَّنْ عُلِمَ صِدْقُهُمْ ، وَأَنَّهُمْ لَا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ ، وَإِنْ جَازَ عَلَيْهِمُ الْخَطَأُ أَوْ بَعْضُ الذُّنُوبِ ، فَإِنَّ الْكَذِبَ أَعْظَمُ . وَلِهَذَا تَرِدُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ بِالْكَذِبَةِ الْوَاحِدَةِ فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ . وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ ( 3 ) . وَنَحْنُ قَدْ نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ وَلَا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ بِحَالٍ . وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّا لَا نَعْلَمُ انْتِفَاءَ الْكَذِبِ إِلَّا عَمَّنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ مَعْصُومٌ مُطْلَقًا ، بَلْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِذَا اخْتَبَرْتَهُ تَيَقَّنْتَ أَنَّهُ لَا يَكْذِبُ ، وَإِنْ كَانَ يُخْطِئُ وَيُذْنِبُ ذُنُوبًا أُخْرَى . وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْكَذِبَ .
وَهَذَا خِلَافُ الْوَاقِعِ ، فَإِنَّ الْكَذِبَ لَا يَتَعَمَّدُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ شَرِّ النَّاسِ . وَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ مِثْلَ مَالِكٍ ، وَشُعْبَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ
هامش
( 1 ) م : الصِّدْقُ الْمَعْصُومُ .
( 2 ) هَبْ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( م ) .
( 3 ) لَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ .